وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ
وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ
المشهد الثالث: {وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية العاشرة من سورة المرسلات، أن {نُسِفَتْ} معناها: قُلعت من أماكنها فذُريت في الهواء كما يُنسف الطعام بالمِنسف؛ نقل ذلك عن أهل التأويل. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد إزالتها عن أماكنها وتذريتها حتى تصير كالعهن المنفوش وكالهباء المنبث. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن أصل النسف تفريق الشيء وإذهابه بسرعة؛ ومنه قوله تعالى في العجل: {ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا}. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، إلى أن ذكر الجبال بعد السماء والنجوم مقصود؛ لأن الجبال هي أرسخ ما في الأرض وأثبته في نظر الناس، فإذا نُسفت فما دونها أولى بالزوال.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء ذكر الجبال بعد السماء والنجوم لينتقل الهول من العالم العلوي إلى العالم السفلي؛ فيستوعب المشهد الكون كله فوق الإنسان وتحت قدميه. وفي هذا النظم إشارة إلى أن الأمان الذي يظنه الإنسان في الأرض زائل كما زال أمان السماء. ثم إن نسف الجبال هنا يقابل ما سيأتي في السورة من قوله: {وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ}؛ فالجبال التي جُعلت رواسي تثبيتاً للأرض في الدنيا تُنسف نسفاً يوم القيامة؛ فالنعمة التي امتنّ بها في موضع تُرفع في موضع آخر، ليعلم العبد أن بقاءها منّة لا حقاً.