وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ
كشف عن جذر التكذيب في السلوك: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة والأربعين من سورة المرسلات، أن المعنى: وإذا قيل لهؤلاء المكذبين صلوا لله وأطيعوه لم يفعلوا؛ وأن الركوع هنا كناية عن الصلاة، عبّر عن الكل بأشرف أجزائه أو بأظهرها في الانقياد. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: إذا أُمروا بالصلاة والطاعة أبوا واستكبروا. وذكر بعض المفسرين في سبب نزولها ما رُوي عن قوم من ثقيف حين دُعوا إلى الصلاة فأبوا الانحناء وعدّوه مسبّة؛ ولم يقطع الأكثرون بذلك، وحمل الجمهور الآية على عمومها في كل مكذب مستكبر عن الطاعة؛ ولا يخرج ذلك السورة عن كونها مكية عند المحققين. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن ذكر امتناعهم عن الركوع في خاتمة السورة كشف عن العلة الباطنة لتكذيبهم؛ فليس منشؤه شبهة علمية بل استكبار عن الخضوع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع هذه الآية في خاتمة السورة من أدق ما فيها؛ إذ عرضت السورة كلها التكذيب على أنه موقف عقلي من خبر، ثم كشفت هنا في آخرها أن جذره موقف عملي من أمر. فمن أبى أن ينحني بجسده لله لن يقبل بقلبه خبراً يقتضي منه الانقياد. وبهذا تكون السورة قد سلكت طريقاً بديعاً: أقامت الأدلة أولاً، وصورت المآلات ثانياً، ثم كشفت العلة الحقيقية أخيراً. ثم إن هذه الآية تمهد للخاتمة {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}؛ فمن لم يستجب لأيسر أمر — انحناءة — فأي كلام يُرجى أن يستجيب له.