وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا
وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا
ثالث أوصاف القسم: {وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثالثة من سورة المرسلات، أقوال أهل التأويل فيها: فقال ابن عباس وقتادة ومجاهد: هي الرياح تنشر السحاب في السماء وتبسطه؛ وقال أبو صالح: هي الملائكة تنشر كتب الله على أنبيائه أو تنشر صحف الأعمال؛ وقال آخرون: هي الأمطار تنشر النبات وتحييه بعد موته. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الظاهر أنها الرياح تنشر السحاب في آفاق السماء كما يشاء الرب. وأشار القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، إلى أن النشر يحتمل معنى الإحياء أيضاً؛ من قولهم: أنشر الله الموتى؛ فتكون الناشرات ما ينشر الأرواح للبعث. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير أوائل السورة، أن هذه الأوصاف كلها منتظمة في سلك واحد: أنها أسباب مسخرة لحياة الأبدان أو حياة القلوب؛ فالرياح والمطر لحياة الأجساد، والوحي والملائكة لحياة الأرواح.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موضع هذه الآية في السلسلة دقيق؛ فقد جاءت بعد وصف الشدة ({الْعَاصِفَاتِ}) لتعقبها بوصف الرحمة والنفع ({النَّاشِرَاتِ}). وهذا التعاقب بين الشدة والرحمة يحاكي أصل بناء السورة كلها؛ إذ تتناوب فيها مشاهد الوعيد ومشاهد النعمة. ثم إن اختيار النشر بخصوصه يمهد لمقصد السورة الأكبر؛ فالنشر في اللغة أخو البعث، والسورة كلها مقامة على تقرير البعث؛ فكأن اللفظ نفسه إشارة مبكرة إلى المقسم عليه قبل أن يُصرَّح به في الآية السابعة.