وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاءً فُرَاتًا
وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاءً فُرَاتًا
تتمة برهان الأرض بذكر الرواسي والماء: {وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاءً فُرَاتًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السابعة والعشرين من سورة المرسلات، أن {رَوَاسِيَ} جمع راسية وهي الجبال الثوابت، و{شَامِخَاتٍ} أي عاليات مرتفعات، و{مَّاءً فُرَاتًا} أي عذباً صافياً يكسر العطش. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: جعلنا فيها جبالاً ثوابت شامخات ترسيها وتثبتها، وأسقيناكم من ماء السماء والأنهار ماءً عذباً زلالاً. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن "الفرات" هو الماء الشديد العذوبة؛ يقال: ماء فرات إذا كان في غاية العذوبة، ومنه سمي النهر المعروف. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، إلى أن ذكر الرواسي والماء بعد ذكر الكفات تكميل لصورة النعمة؛ فالأرض لا تصلح للسكنى إلا بثبات قرارها وبعذوبة شرابها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تمّت بهذه الآية عناصر نعمة الأرض الثلاثة: الضم والاحتواء ({كِفَاتًا})، والثبات والاستقرار ({رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ})، والحياة والنماء ({مَّاءً فُرَاتًا}). وهذا ترتيب محكم؛ فالمكان لا ينفع بلا ثبات، والثبات لا يكفي بلا ماء. ثم إن ذكر الرواسي هنا يقابل ما تقدم في السورة من قوله: {وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ}؛ فالجبال التي تُنسف يومئذ هي التي امتنّ الله بنصبها اليوم. وفي هذا التقابل بين موضعي السورة درس بليغ: النعمة قائمة ما دامت الدار قائمة، فإذا انقضى أجل الدار زالت أسبابها كلها. وبعد هذه الآية تأتي اللازمة لتختم مقطع البرهان الثالث.