أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ
أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ
مفتتح البرهان الأول، وهو برهان التاريخ: {أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة عشرة من سورة المرسلات، أن المعنى: ألم نهلك الأمم الماضية الذين كذبوا رسلنا من قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم؛ والاستفهام تقرير وتذكير بما يعلمونه من أخبارهم. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد إهلاك المكذبين من الأمم السالفة. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن المراد بـ{الْأَوَّلِينَ} من كذّب الرسل من الأمم المتقدمة، وأن العرب كانت تعرف أخبارهم وتمر على ديارهم في أسفارها. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، إلى أن هذا استدلال بالوقائع المشاهدة آثارها على صدق الوعيد؛ فمن رأى مصارع المكذبين في الدنيا لم يستبعد وعيد الآخرة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بعد أن قرر السياق وقوع يوم الفصل وهوّل من شأنه وتوعّد المكذبين به، انتقل إلى إقامة البرهان؛ إذ لا يكفي التهديد وحده لمن أنكر. وبدأ بأقرب البراهين إلى المخاطبين وأيسرها على الفهم: أثر مشاهد في الأرض ودارس في التاريخ. وموقع هذه الآية من السورة موقع أول دليل بعد الدعوى؛ وسيليها دليل الأنفس ثم دليل الأرض. ثم إن اختيار الإهلاك بخصوصه له صلة بالمقصد؛ فالإهلاك انتقال من وجود إلى عدم بأمر الله، والبعث انتقال من عدم إلى وجود بأمره؛ فمن رأى الأول لزمه تصديق الثاني.