كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ
كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ
وصف ثانٍ للشرر: {كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثالثة والثلاثين من سورة المرسلات، أن أهل التأويل قالوا في {جِمَالَتٌ}: إنها الإبل؛ شبّه الشرر بها في عظم الخلق وسرعة الحركة وتتابعها. وذكر في {صُفْرٌ} أن العرب تسمي السود من الإبل صُفراً؛ لأن سوادها تعلوه صفرة؛ ونقل عن الحسن وقتادة نحو ذلك. وقيل: الصفرة على حقيقتها لأن لهب النار يميل إلى الصفرة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: كأنه في تطايره وكثرته جمال سود يتبع بعضها بعضاً. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن العرب تشبه الشيء الكثير المتتابع بالإبل لأنها أضخم ما تعرفه من الدواب وأكثرها في أسفارها. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن الجمع بين التشبيهين — القصر والجمالات — أضاف إلى صورة الحجم صورتي اللون والحركة؛ فاكتملت الصورة الحسية من ثلاث جهات.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية مكملة للتشبيه السابق لا مكررة له؛ فالأول للحجم والثاني للون والعدد والحركة. وبهذين التشبيهين يكتمل مشهد النار في السورة، ثم تأتي اللازمة الخامسة لتغلق المقطع. وموقع هذا الوصف من بناء السورة موقع الذروة في التصوير الحسي؛ إذ لم يبلغ المشهد في السورة كلها ما بلغه هنا من التفصيل. وفي هذا التركيز حكمة؛ فالمكذبون أنكروا الغيب لبعده عن حسهم، فعُرض عليهم بلغة الحس نفسه: بناء يعرفونه، وإبل يسوقونها في أسفارهم.