إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ
انتقال إلى جزاء المتقين: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الحادية والأربعين من سورة المرسلات، أن المعنى: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه في ظلال الأشجار والقصور وعيون الماء الجارية. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أنه لما ذكر ما أعده للأشقياء ثنّى بذكر ما أعده للسعداء من الظلال والعيون. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الظلال هنا ظلال الجنة التي لا شمس فيها ولا زمهرير، وأن العيون جمع عين وهي ينابيع الماء الجارية. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، إلى أن هذا من عادة القرآن في الجمع بين الترغيب والترهيب؛ فيذكر حال الفريقين ليكون العبد بين خوف ورجاء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية مفتتح المقطع الأخير من السورة، وقد جاءت مقابلة دقيقة لمشهد المكذبين. فقد قيل هناك: {انطَلِقُوا إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ * لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ}، وقيل هنا: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ}. فاللفظ المحوري واحد — الظل — والحقيقتان متقابلتان تمام التقابل: ظل واحد ضيق متشعب لا يقي، وظلال متعددة وارفة تقي؛ وذاك مقرون باللهب، وهذا مقرون بالعيون. وهذه المقابلة من أدق ما في نظم السورة؛ إذ جعلت الجزاءين متقابلين في الصورة الظاهرة ليبرز التباين في الحقيقة. ثم إن تقديم الظلال على الفواكه في الآية التالية جارٍ على ترتيب الحاجة؛ فالوقاية قبل التنعم.