كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
الإذن بالتمتع مقروناً ببيان سببه: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثالثة والأربعين من سورة المرسلات، أن المعنى: يقال لهم كلوا واشربوا هنيئاً لكم بما كنتم تعملون في الدنيا من الصالحات. و"الهنيء" ما لا تنغيص فيه ولا أذى بعده. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن هذا يقال لهم على وجه الإكرام والامتنان. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الباء في {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} باء السببية؛ وأن هذا لا يعارض ما ثبت في السنة من أن أحداً لن يدخل الجنة بعمله؛ لأن العمل سبب لا ثمن. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، إلى أن في تعليق الجزاء بالعمل تشريفاً للعامل وتطييباً لنفسه؛ إذ يعلم أن ما ناله ثمرة سعيه لا مجرد عطاء بلا مناسبة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الإذن بعد ذكر المتاح؛ فذُكرت الظلال والعيون والفواكه ثم قيل: كلوا واشربوا. وفي هذا الترتيب إكرام مضاعف؛ إذ لا يكفي وجود النعمة حتى يقترن بها إذن يزيل الحرج ويطيب النفس. وموقع الآية من السورة موقع المقابل التام لقوله بعدُ للمجرمين: {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ}؛ فالصيغة واحدة في الظاهر — أمر بالأكل — والمقصد متعاكس: هنا إكرام مقرون بالتأبيد والتهنئة، وهناك تهكم مقرون بالتقليل والتهديد. وهذا من أبدع صور المقابلة في السورة؛ إذ اتحد اللفظ واختلف المعنى باختلاف ما قُرن به.