إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ
إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ
وصف شرر تلك النار: {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية والثلاثين من سورة المرسلات، أن أهل التأويل اختلفوا في المراد بـ{الْقَصْرِ}: فقال ابن عباس في رواية: هو قصور مبنية كالحصون؛ وقال في رواية أخرى: هي أصول الشجر العظام والخشب الغلاظ الواحدة قَصَرة؛ وقال مجاهد وقتادة نحوه. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: أن شرر النار يتطاير منها كالقصر في عظمه. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن العرب تسمي أصول النخل والشجر العظام "القَصَر"، وأن كلا التفسيرين يفيد المقصود وهو تعظيم حجم الشرر. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن التشبيه هنا مبني على المقابلة بين المألوف والمشاهد؛ إذ الشرر في العادة دقيق لا يكاد يُرى، فتشبيهه بالقصر قلب للمألوف يوقع في النفس هول النار من طريق أصغر أجزائها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق من وصف الظل إلى وصف مصدره؛ فبعد أن نفى الإغناء من اللهب، أخذ يبين ما هذا اللهب الذي لا يغني عنه شيء. وهذا تدرج نظمي محكم: من الظل إلى اللهب إلى الشرر. وقد اختير الشرر بخصوصه مع أنه أهون أجزاء النار؛ وذلك أن بيان عظم الأصغر أدل على عظم الأكبر من الوصف المباشر. ثم إن هذه الآية مع التي بعدها تشكلان وصفين متكاملين للشرر: تشبيه بالقصر في الحجم، وتشبيه بالجمالات الصفر في اللون والحركة؛ فتكتمل الصورة للعين والخيال معاً. وبهما يُختم مشهد النار قبل اللازمة.