أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا
أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا
بيان لما أُجمل في وصف الأرض بالكفات: {أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة والعشرين من سورة المرسلات، أن المعنى: تكفت الأحياء على ظهرها والأموات في بطنها؛ روى ذلك عن مجاهد والشعبي وقتادة. وذكر أن الشعبي قال: بطنها لموتاكم وظهرها لأحيائكم. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد أنها تضمهم أحياءً على ظهرها وأمواتاً في بطنها. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن المعنى: ذات كفات للأحياء والأموات؛ وأن في هذا حجة على أن الأصل في الميت أن يُوارى في الأرض. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن الجمع بين الحال والمآل في لفظين اثنين استيعاب لأطوار الإنسان كلها؛ فما من إنسان إلا وهو داخل في أحد الوصفين لا محالة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بياناً لمجمل الآية قبلها؛ فقيل {كِفَاتًا} فأُبهم المكفوت، ثم قيل {أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} فبُيّن. وهذا الأسلوب — الإجمال ثم التفصيل — يثبت المعنى بعد أن يشوّق إليه. وموقعها من مقصد السورة دقيق للغاية؛ فإن ذكر كفت الأموات هنا هو ألصق ما في السورة بقضية البعث؛ إذ ما استودعته الأرض في بطنها لا بد أن تخرجه يوم الفصل. فكأن السياق يقول: الأرض التي تحتضنكم أمواتاً هي بعينها التي تلفظكم أحياءً. ثم إن الآية مهدت لما بعدها من ذكر الرواسي والماء الفرات؛ فبعد بيان الوظيفة الجامعة للأرض جاء ذكر ما يقوّمها ويُحيي من عليها.