أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ
أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ
البرهان الثاني، وهو برهان النشأة في النفس: {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية العشرين من سورة المرسلات، أن المعنى: ألم نخلقكم أيها الناس من نطفة ضعيفة حقيرة؛ والمهين الضعيف الحقير. وروى عن مجاهد وقتادة أن الماء المهين هو النطفة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد الماء الضعيف الحقير بالنسبة إلى قدرة الله؛ نظيره قوله تعالى: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ}. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن "المهين" فعيل من المهانة وهي الحقارة والضعف، لا من الإهانة التي هي الإذلال؛ فالوصف للماء في ذاته لا لفاعل أهانه. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، إلى أن الاحتجاج بهذا على البعث ظاهر؛ فمن أنشأ هذا الخلق البديع من ماء مهين فهو على إعادته أقدر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق من البرهان الآفاقي التاريخي إلى البرهان النفسي؛ وهذا الترتيب مقصود، إذ إن أقرب شاهد على الإنسان هو نفسه، ولا يستطيع دفعه بحال. ثم إن الانتقال من مصارع الأمم إلى أصل الخلق فيه لطيفة نظمية: هناك ذكر النهاية وهنا ذكر البداية؛ فأحاط الدليلان بطرفي وجود الإنسان. وقد جاءت هذه الآية أول ثلاث آيات متسلسلة تصور أطوار النشأة: ماء مهين، فقرار مكين، فقدر معلوم؛ ثم تُختم بالتعقيب {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ}. فالنظم يعرض عملية كاملة من أولها إلى آخرها ليقيم منها الحجة.