فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا
فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا
رابع أوصاف القسم: {فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة من سورة المرسلات، أن أكثر أهل التأويل على أن {الْفَارِقَاتِ} هي الملائكة تنزل بما يفرق بين الحق والباطل؛ روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن. وذكر قولاً آخر: أنها آيات القرآن نفسها فرّقت بين الحلال والحرام والهدى والضلال. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أنها الملائكة تنزل بأمر الله على الرسل بما يفرق به بين الحق والباطل. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن من فسّرها بالرياح قال: هي تفرق السحاب وتمزقه في الجو؛ فالفرق حينئذ حسي. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الرابعة، أن العطف بالفاء هنا مشعر بأن الفرق أثر مترتب على النشر؛ فبعد أن نُشر ما نُشر جاء دور التمييز والفصل؛ وهذا الترتيب هو عين ما سيقع في يوم الفصل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية مفصل النظم في مقطع القسم كله؛ إذ انتقل السياق من الأوصاف الكونية المحسوسة إلى الأوصاف المعنوية الشرعية. فالمرسلات والعاصفات والناشرات آثار في الآفاق، والفارقات والملقيات آثار في القلوب والشرائع. وهذا الانتقال مقصود؛ فالسورة تريد أن تقرر أن الله كما فرّق في الكون بين الأشياء بنظام محكم، فسيفرق يوم القيامة بين العباد بحكم عادل. ثم إن الفرق المذكور هنا هو الفرق التكليفي في الدنيا بالوحي، وهو مقدمة للفرق الجزائي في الآخرة يوم الفصل؛ فمن قبل الفرق الأول نجا في الثاني.