فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا
فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا
خامس أوصاف القسم وآخرها: {فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الخامسة من سورة المرسلات، أن أهل التأويل لم يختلفوا في أن {الْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا} هي الملائكة تلقي الوحي إلى الأنبياء؛ نقل ذلك عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والحسن والسدي. وقال بعضهم: هي الرسل يلقون الذكر إلى أممهم. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد الملائكة تنزل بالوحي على الأنبياء تلقيه إليهم فارقاً بين الحق والباطل. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن "الذكر" هنا هو الوحي عامة، وأعظمه القرآن؛ سمي ذكراً لأنه يُذكّر بالله وبالآخرة ويرفع الغفلة. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن اختيار فعل "الإلقاء" دون "الإنزال" أو "الإعطاء" فيه إشعار بأن الوحي يُلقى في القلب إلقاءً لا يملك المتلقي دفعه؛ كما قال تعالى في موضع آخر: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بهذه الآية تكتمل سلسلة القسم الخماسية، وقد جاءت خاتمة لها لأنها أعلاها رتبة؛ فترتيب الأوصاف صعود من التسخير الكوني إلى التكليف الشرعي: إرسال، فعصف، فنشر، ففرق، فإلقاء ذكر. والذكر الملقى هو الحجة التي تقوم على المكذبين، وهو نفسه "الحديث" الذي ختمت به السورة في قوله: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}؛ فبين مطلع السورة وخاتمتها رباط محكم: أقسم بما يُلقي الذكر، وختم بتوبيخ من لم يؤمن بالذكر. ثم إن هذه الآية مهدت مباشرة للآية التالية {عُذْرًا أَوْ نُذْرًا} التي بينت غاية الإلقاء.