أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا
البرهان الثالث، وهو برهان الأرض: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الخامسة والعشرين من سورة المرسلات، أن {كِفَاتًا} معناها: ضامّة تضم الناس؛ روى عن مجاهد والشعبي وقتادة أن معناها: تكفت الأحياء على ظهرها والأموات في بطنها. وذكر أن أصل الكفت في اللغة الضم والجمع؛ يقال: كفت الشيء يكفته كفتاً إذا ضمه وجمعه، ومنه قولهم للوعاء: كِفْت. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: تجمعهم أحياء على ظهرها وأمواتاً في بطنها. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الكفات اسم لما يكفت أي يضم ويجمع؛ وأن هذه الآية أصل في مشروعية دفن الموتى في الأرض؛ إذ امتنّ الله بأن جعلها كفاتاً لهم. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، إلى أن الأرض تجمع بين وظيفتين متقابلتين: مأوى للحي في حياته، ومستودع له بعد مماته؛ فهي كافلة للإنسان في طوريه جميعاً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق من برهان النفس إلى برهان الأرض؛ فتم بذلك الاستدلال بالمسالك الثلاثة: التاريخ، والنفس، والمكان. وهذه الآية أول أربع آيات في هذا البرهان تنتهي باللازمة في الآية الثامنة والعشرين. ومن دقة اختيار لفظ {كِفَاتًا} أنه يجمع الحي والميت في وصف واحد؛ فيمهد بذلك لما بعده مباشرة {أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا}. وله صلة أعمق بمقصد السورة؛ فالأرض التي تضم الأموات في بطنها هي التي ستخرجهم منها يوم الفصل؛ فذكر كفتها للأموات تمهيد خفي لمشهد البعث؛ إذ الضم لا يكون إلا لما يُراد استرجاعه.