فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ
فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ
تعقيب على أطوار النشأة بالثناء على القدرة: {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثالثة والعشرين من سورة المرسلات، أن المعنى: فقدرنا على خلقه وتصويره وإخراجه فنعم القادرون نحن. وذكر وجهاً آخر على قراءة التشديد: فقدّرنا ذلك تقديراً محكماً فنعم المقدّرون. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: قدرنا على ذلك فنعم القادرون. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن القراءتين ترجعان إلى معنى متقارب؛ إذ التقدير فرع القدرة، ومن قدّر فقد قدر. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن أسلوب المدح بـ"نعم" جاء هنا ليقرر أن هذه القدرة بلغت غاية الكمال؛ فلا يُتصور بعدها عجز عن الإعادة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية خاتمة برهان النشأة وخلاصته؛ فقد عُرضت الأطوار في ثلاث آيات ثم جاء التعقيب هنا ليستخرج منها النتيجة. وهو نظير ما صنعه السياق في برهان التاريخ حين ختمه بقوله {كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ}. فبناء السورة قائم على نسق مطرد: عرض للدليل، فاستخلاص للنتيجة، فلازمة الويل. وموضع هذه الآية من المقصد العام ظاهر؛ إذ إن جوهر إنكار المكذبين هو استبعاد القدرة على الإعادة، فجاء الثناء على القدرة نصاً صريحاً يقطع هذا الاستبعاد من أصله.