وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ
وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ
المشهد الرابع، وهو انتقال من الجمادات إلى الأشخاص: {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الحادية عشرة من سورة المرسلات، أن أهل التأويل اختلفوا في معنى {أُقِّتَتْ} على أقوال: فقال ابن عباس ومجاهد: جُمعت لوقتها ليوم القيامة؛ وقال قتادة: جُمعت ووُقّت لها يوم يشهدون فيه على أممهم؛ وقال آخرون: بُيّن لها الوقت الذي تحضر فيه للشهادة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: أُجّلت وضُرب لها أجل يجتمعون فيه ليوم الفصل؛ كما قال تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ}. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الأصل "وُقّتت" من الوقت، فأُبدلت الواو المضمومة همزة كما قيل في "وُجوه": "أُجوه"؛ وهي لغة فاشية في كلام العرب. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، أن ذكر الرسل في هذا الموضع مقصود لبيان أن أهوال ذلك اليوم ليست عبثاً، بل هي مقدمة لمجلس شهادة وقضاء؛ فالكون يُطوى ليقام العدل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية خاتمة الأشراط الأربعة، وقد نقلت المشهد نقلة حاسمة من انحلال الكون إلى انعقاد مجلس الحساب؛ فالثلاثة قبلها في الجمادات: نجوم وسماء وجبال، وهذه في أشرف الخلق: الرسل. وفي هذا الترتيب حكمة ظاهرة؛ إذ لو اقتصر السياق على تحطم الكون لظن الظان أن الأمر فناء محض؛ فجاء ذكر الرسل ليُعلم أن الغاية من هذا كله هي إقامة الشهادة والقضاء. ثم إن ذكر التوقيت هنا هو المدخل المباشر للسؤال في الآية التالية {لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ}؛ فذكر الوقت أورث السؤال عن تعيينه، والسؤال أورث الجواب {لِيَوْمِ الْفَصْلِ}؛ فالنظم متسلسل تسلسلاً محكماً.