هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ
هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ
مشهد الخرس في الموقف: {هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الخامسة والثلاثين من سورة المرسلات، أن المعنى: هذا يوم لا ينطق فيه المكذبون بحجة ولا معذرة. وذكر أن مواطن يوم القيامة مختلفة؛ ففي بعضها يتكلمون ويتخاصمون، وفي بعضها يُختم على أفواههم فلا ينطقون؛ فليس بين النصوص تعارض. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن ذلك في بعض مواقف يوم القيامة؛ فإن ذلك اليوم طويل وله مواطن. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن المنفي هو النطق بالحجة النافعة لا مطلق الكلام؛ فقد ثبت أنهم يقولون ويجادلون ويتلاومون في مواطن أخر. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، إلى أن سكوتهم إنما هو لانقطاع حجتهم وبطلان معاذيرهم؛ فليس سكوت اختيار بل سكوت إفحام.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق من العذاب البدني إلى العذاب المعنوي؛ فبعد أن صُوّرت النار وشررها جاء تصوير الموقف نفسه. وهذا الانتقال من الجسد إلى الكرامة تدرج في العقوبة؛ إذ من الناس من يهون عليه الألم ولا يهون عليه أن يُسكت في مقام يُقضى فيه مصيره. وموقع هذه الآية من السورة موقع الاستئناف بعد اللازمة؛ فقد بدأت بـ{هَٰذَا} الإشارية التي تنقل المشهد إلى الحضور. ثم إنها مهدت للآية التالية التي تفصّل نوع المنع: {وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ}؛ فالأولى نفي للنطق، والثانية نفي للإذن به.