فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ
فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ
الطور الثاني من أطوار النشأة: {فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الحادية والعشرين من سورة المرسلات، أن {قَرَارٍ مَّكِينٍ} هو الرحم؛ جعله الله مستقراً للنطفة حريزاً حصيناً؛ روى ذلك عن مجاهد وقتادة وغيرهما. و"المكين" ذو المكانة والتمكن؛ أي المهيأ لحفظ ما فيه. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد أنه جعله في الرحم قراراً مكيناً. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن وصف الرحم بالتمكين لأن الله هيّأه لاستقرار النطفة وحفظها من الفساد والانتقال حتى يتم خلقها. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، إلى أن في هذا الوصف بياناً لعناية الله بالجنين قبل أن يُخلق؛ فقد هيّأ له المستقر قبل أن يوجد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية معطوفة بالفاء لتصوير التعاقب السريع بين الطورين: ماء يُلقى، فقرار يحفظه. ومن دقة النظم أن ذُكرت المهانة أولاً ثم ذُكر التمكين ثانياً؛ فالمقابلة بين "المهين" و"المكين" مقصودة: مادة حقيرة في مستقر حصين. وهذا التقابل يبرز عناية الخالق؛ إذ لو كان الأمر مصادفة لما احتاج الحقير إلى هذا الحفظ البالغ. ثم إن الآية مهدت للآية التالية {إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ} التي تبين مدة الاستقرار؛ فاكتملت العناصر الثلاثة: المادة، والمكان، والزمان.