فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ
فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ
تحدٍّ تهكمي بعد الجمع: {فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية التاسعة والثلاثين من سورة المرسلات، أن المعنى: فإن كان لكم حيلة تدفعون بها عن أنفسكم العذاب فاحتالوا؛ وهو أمر تعجيز وتوبيخ لا أمر إباحة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: إن كان لكم حيلة فاحتالوا لأنفسكم وخلصوها من عذابي؛ فإنكم لا تستطيعون ذلك. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {فَكِيدُونِ} أصلها "فكيدوني" فحُذفت الياء اكتفاءً بالكسرة، وهي لغة فصيحة تُراعى بها الفاصلة. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن هذا التحدي وارد على طريقة تحدي المتمكن للعاجز؛ ففيه إظهار لكمال قهر الله وكمال عجزهم في موقف واحد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا التحدي في موضعه من النظم بعد إعلان الجمع مباشرة؛ إذ لا معنى للتحدي إلا بعد اجتماع المتحدَّين وانكشاف عجزهم. وفيه ربط بحال المكذبين في الدنيا؛ فقد كانوا يكيدون للنبي ﷺ ويدبرون المكائد لصد الدعوة؛ فقيل لهم في يوم الجمع: هاتوا كيدكم الآن. فالتحدي معايرة لهم بما كانوا يحسنونه. وموقع الآية من السورة موقع الخاتمة لمشهد المكذبين قبل الانتقال إلى مشهد المتقين؛ فبعد اللازمة السابعة مباشرة يبدأ الحديث عن أهل الجنة. فالسياق ينتقل من ذروة التقريع إلى ذروة التكريم.