انطَلِقُوا إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ
انطَلِقُوا إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ
مفتتح مشهد المساق إلى العذاب: {انطَلِقُوا إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية التاسعة والعشرين من سورة المرسلات، أن المعنى: يقال للمكذبين يوم القيامة: امضوا إلى العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا. وذكر أن هذا القول يقال لهم على وجه التوبيخ والتقريع. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: يقال لهم يوم القيامة انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به من عذاب النار. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن في الأمر معنى الإهانة والتحقير؛ إذ يُساقون كما تُساق البهائم. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن حذف القائل في {انطَلِقُوا} مقصود؛ ليعم كل من يقول لهم ذلك من خزنة النار والملائكة، وليكون القول كأنه صادر من جهة لا تُدفع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بهذه الآية ينتقل السياق من الاستدلال إلى التصوير، ومن مخاطبة العقل إلى مخاطبة الوجدان. وقد جاء الانتقال مباغتاً بلا تمهيد؛ فبعد اللازمة مباشرة يجد السامع نفسه أمام مشهد يُساق فيه المكذبون. وهذا الانتقال المباغت يحاكي مباغتة الساعة نفسها. ثم إن قوله {إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ} فيه ربط محكم بكل ما سبق؛ إذ لم يُسمّ الشيء المكذَّب به، فيدخل فيه كل ما كذبوا به في السورة: يوم الفصل، ودلالة التاريخ، ودلالة الخلق، ودلالة النعم. فالآية جامعة لكل ما تفرق قبلها، ومهدت للآية بعدها التي تعيّن جهة الانطلاق: {انطَلِقُوا إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ}.