ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ
ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ
تتمة برهان التاريخ: {ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السابعة عشرة من سورة المرسلات، أن المعنى: ثم نتبع الأولين الآخرين ممن كذّب من هذه الأمة وغيرها فنهلكهم كما أهلكنا من قبلهم. وذكر أن {الْآخِرِينَ} هم من جاء بعد الأمم الأولى ممن سلك سبيلهم في التكذيب. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: ثم نتبعهم من أشبههم من المكذبين. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن في الآية وعيداً لكفار قريش؛ إذ هم من الآخرين، فأُنذروا بأن سنة الله فيهم كسنته فيمن قبلهم. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن {ثُمَّ} أفادت التراخي في الرتبة والزمن معاً؛ فإهلاك الآخرين متأخر عن إهلاك الأولين زماناً، وهو أشد وقعاً في نفوس المخاطبين لأنه يعنيهم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية تكمل مع سابقتها صورة برهان التاريخ من طرفيه: ماضٍ مضى وحاضر يلحق به. ولولا هذه الآية لظن السامع أن الإهلاك حادثة انتهت بأصحابها؛ فجاءت لتمد الخط من الماضي إلى المستقبل. وهذا الامتداد هو الذي يهيئ للآية التالية التي تقرر السنة العامة {كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ}. فالنظم يسير في ثلاث خطوات محكمة: واقعة ماضية، فإلحاق لاحق بها، فتقرير قانون جامع لهما. وفي هذا رد على من يقرأ أخبار الأمم على أنها حوادث معزولة لا تتكرر.