تختم الآيات الكريمة هذا المقطع الرائع بذكر سلاح المؤمنين في دار الدنيا ومفتاح نيلهم لتلك المنة العظيمة؛ وهو دوام الدعاء والافتقار إلى الله والتعلق بأسمائه الحسنى وصفاته العلا: {إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ}.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٧٥)مصدر غير محدد٢٢/٤٧٥ عن مجاهد وقتادة وابن جريج في قوله: {إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ}: قال: نعبده ونتضرع إليه ونسأله أن يقينا عذابه ويمن علينا برحمته.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٣٨)مصدر غير محدد٧/٤٣٨: أي كنا في دار الدنيا نلجأ إليه بالعبادة والرجاء والدعاء، فاستجاب لنا وأعطانا ما كنا نرجوه، {إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} أي الصادق في وعده، المحسن الواسع الإحسان إلى عباده، المتفضل عليهم بالرحمة والكرامة.
وقرأ الجمهور: {إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} بكسر همزة (إنه) على الاستئناف والتعليل، وقرأ نافع والكسائي: {أَنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} بفتح الهمزة؛ أي بأنَّه، أو دعونا لأنه البر الرحيم.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «ما كان أحد أشد اجتهاداً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا حزبه أمر دعا ربه ولجأ إليه، وهو القائل: الدعاء هو العبادة» (رواه أصحاب السنن بإسناد صحيح).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّا}: إن حرف توكيد ونصب، و(نا) اسمها.
{كُنَّا}: فعل ماض ناقص مبني على السكون لاتصاله بنا، و(نا) اسمها.
{مِن}: حرف جر لابتداء الغاية الزمانية.
{قَبْلُ}: اسم مبني على الضم في محل جر بمن لانقطاعه عن الإضافة لفظاً، والجار والمجرور متعلق بالفعل ندعوه أو بحال محذوفة.
{نَدْعُوهُ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الواو للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن، والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان، وجملة كان واسمها وخبرها في محل رفع خبر إن.
{إِنَّهُ}: إن حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب اسمها يعود على الله جل جلاله.
{هُوَ}: ضمير فصل مبني على الفتح لا محل له من الإعراب يفيد القصر والحصر والتوكيد، أو مبتدأ خبره البر.
{الْبَرُّ}: خبر إن أول مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والبر في اللغة: واسع الخير والإحسان، الصادق في الوعد، اللطيف بعباده.
{الرَّحِيمُ}: خبر إن ثان مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو صيغة مبالغة من الرحمة دالة على كمال رحمته وإيصالها لمن يستحقها من عباده المؤمنين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبدع ختام هذا المقطع المتسلسل! فقد تدرج الحديث من:
ثم ختامه بالعلة العظمى ومنتهى الآمال: {إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} (التعلق بأسماء الله الحسنى).
هذا التسلسل النظمي يمثل قانون العبودية الكاملة؛ خوف واعتراف بالمنة، ودعاء وافتقار، وتوسل بالأسماء والصفات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مسألة إعرابية ومعنوية في الدعاء: هل المراد بالدعاء هنا دعاء المسألة أم دعاء العبادة؟
التحقيق التفسيري الأصولي: الدعاء في القرآن يشمل النوعين بالتلازم؛ فدعاء العبادة هو كل طاعة وتقرب كالصلاة والصيام والذكر، فإن العابد بلسان حاله يدعو ربه أن يتقبل منه ويرحمه؛ ودعاء المسألة هو الطلب الصريح للحاجات والوقاية من العذاب؛ وأهل الجنة جمعوا بين الأمرين: كانوا يدعون الله عبادة بأداء فرائضه، ويدعونه مسألة بالافتقار إليه والتضرع في الأسحار، فكوفئوا بتحقيق كل ما رجوه.
البرهان العقلي لاسم الله (البر): البر أصله السعة والكثرة في الإحسان، ومنه سُمي البر (اليابسة) لاتساعه بخلاف البحر؛ فالله سبحانه هو البر الذي لا يضاهي إحسانه إحسان، يفيض على خلقه في الدنيا والآخرة، ويجزي بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ويعفو عن السيئات.
أسلوب الحصر والقصر بضمير الفصل وتعريف الخبرين {إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ}: أفاد أن كمال البر والرحمة المطلقة الحقيقية مقصورة على الله وحده سبحانه؛ فكل إحسان من سواه إنما هو أثر ضعيف من آثار بره ورحمته التي وسعت كل شيء.
التوسل بالأسماء الحسنى المناسبة للمقام: ختم المقطع باسمي (البر الرحيم) في غاية البلاغة والمناسبة؛ لأن المقام مقام إحسان ومنة ووقاية وخلود في النعيم، والبر الرحيم هو الذي يجود بكل هذه الكرامات ويفيض بها على أوليائه.
الإشارة التدبرية: الدعاء حبل النجاة المتصل بين الأرض والسماء؛ فمن أُعطي الدعاء لم يُحرم الإجابة، ولم يهلك مع الدعاء أحد، فليكثر المؤمن من دعاء ربه بيقين وإلحاح.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ملازمة الدعاء والافتقار: تربية النفس على أن الدعاء ليس عبادة طارئة عند الشدائد فقط، بل هو ديدن المؤمن في رخائه وشدته؛ فمن أحب أن يستجيب الله له عند الشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء.
التوسل بأسماء الله وصفاته: تعليم المؤمنين أدب الدعاء بالتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى، كقول الداعي: يا بر يا رحيم، كما كان يفعل السلف الصالح.
حسن الرجاء وكمال الثقة بوعد الله: غرس الطمأنينة واليقين في قلوب المؤمنين بأن ما يطلبونه من ربهم ويدعونه به في دنياهم لن يضيع، وإن تأخرت الإجابة فموعدها الجنات العالية حيث يلهج اللسان هناك بحمد الله: {إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ}.