هذا القول الرباني الكريم تكريم للمتقين، وهو مقول لقول محذوف تقديره: يقال لهم: كلوا واشربوا هنيئاً، على وجه التكريم والتشريف والإباحة المطلقة للذات.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٦٥)مصدر غير محدد٢٢/٤٦٥ عن قتادة قال: قيل لهم ذلك في الجنة تكرمة لهم وثواباً على ما أسلفوا في دار الدنيا من الإيمان والأعمال الصالحة.
وذكر ابن كثير (ج ٧، ص ٤٣٦)مصدر غير محدد٧/٤٣٦: يقال لهم ذلك تكرماً وتفضلاً وإحساناً، كقوله تعالى في سورة الحاقة: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ}، أي جزاء على ما قدمتموه من الطاعات وصبرتم عليه من المشاق.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٦٤)مصدر غير محدد١٧/٦٤: الهنيء: كل ما لا ينغصه شيء ولا تلحقه مشقة ولا أذى، وأكل الجنة وشربها هنيء لا كدر فيه ولا تعب، لا يحتاجون معه إلى بول ولا غائط ولا أذى، بل يخرج عرقاً من أجسادهم كريح المسك.
وفي سنن الترمذي وصحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يتفلون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جُشاء ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{كُلُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والأمر هنا ليس للوجوب ولا للندب وإنما هو للإكرام والإباحة والتنعيم وتطييب النفوس.
{وَاشْرَبُوا}: الواو عاطفة، اشربوا فعل أمر معطوف على كلوا مبني على حذف النون، والواو فاعله.
{هَنِيئًا}: حال منصوبة من الضمير في كلوا واشربوا، أو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: هنأكم ذلك هنأً وهنيئاً، أو صفة لمصدر محذوف تقديره أكلاً وشرباً هنيئاً. والهنيء لغة: الطيب الذي يسوغ في الحلق ولا يعقبه وخامة ولا سقم ولا ألم.
{بِمَا}: الباء سببية أو للمقابلة والجزاء، وما مصدرية، أي بسبب عملكم وسعيكم الصالح في الدنيا، أو موصولة بمعنى الذي؛ أي بالذي كنتم تعملونه.
{كُنتُمْ}: فعل ماض ناقص مبني على السكون لاتصاله بضمير التاء، والتاء ضمير متصل مبني في محل رفع اسمه، والميم للجمع.
{تَعْمَلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعله، والجملة في محل نصب خبر كان، وجملة كان واسمها وخبرها صلة الموصول أو صلة الحرف المصدري لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
في الآية التفات بديع من أسلوب الغيبة {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ... بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} إلى أسلوب الخطاب المباشر {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا}؛ وهذا الالتفات ينقل المشهد من مجرد الإخبار عنهم إلى مشهد حي يشهد فيه السامع مخاطبة الله تعالى أو مخاطبة الملائكة لهم بالسلام والتكريم والترحاب، وهو أبلغ في سرور النفوس وأدخل في بهجة الروح.
الربط بين العمل والجزاء {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}: يبرز حكمة التشريع والعدالة الإلهية؛ فبعد أن أصل في الآية السابقة أن النعيم عطاء الرب ووقايته، بين هنا أن العمل الصالح هو السبب الجعلي والعلامة الظاهرة التي أجرى الله بها رحمته وفضله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
الإشكال المزعوم: كيف يتوافق قوله: {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} المثبت لكون الجزاء بالعمل، مع الحديث المتفق عليه: «لن يدخل أحداً عملُه الجنة»؟
المحاكمة العقلية الأصولية: أجاب أئمة التحقيق كابن تيمية وابن القيم والنووي بجواب شاف يزيل التوهم: الباء في الحديث هي باء المعاوضة والمقابلة والثمنية؛ أي إن عمل العبد المحدود المشوب بالنقص والتقصير ليس ثمناً مكافئاً للخلود في النعيم المطلق والجنات، فالعبد لا يملك استحقاقاً معاوضياً على ربه؛ أما الباء في الآية {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} فهي باء السببية الجعلية؛ أي إن العمل سبب جعله الله بفضله ورحمته طريقاً وشرطاً لنيل ثوابه، وتوفيق العبد للعمل وقبوله منه محض فضل ومنة، فلا تناقض بين النصوص.
شبهة تكرار الشهوات الدنيوية: زعم بعض الفلاسفة أن ذكر الأكل والشرب نزول بالروح إلى رتبة البهيمية؛ والرد أن لذات الأبدان في الجنة مقدسة مطهرة عن كل أذى ونقص، والكمال الإنساني الذي خلقه الله مركب من روح وبدن، فإكرام الجسد مع كمال نعيم الروح هو الغاية القصوى للإنعام الإلهي المحيط بالمخلوق بكافة أبعاده.
الحذف البلاغي للمقول: حذف القول {يقال لهم: كلوا واشربوا} للإسراع بالتبشير ومفاجأة المخاطبين بالكرامة دون واسطة، مما يشعر بالقرب واللطف.
إطلاق لفظ {هَنِيئًا}: نكرة تدل على كمال الصفة وخلوصها؛ فالطعام في دار الدنيا مهما طاب يعقبه امتلاء أو وخامة أو كدر إعداده وتنظيفه وتصريفه، أما طعام الجنة فهنيء في تناوله، هنيء في هضمه، هنيء في آثاره، يتحول إلى رشح المسك وتسبيح ينشرح به الصدر.
اللمسة الوجدانية التدبرية: جوع الصائمين وظمأ الهواجر في دار الفناء ينقلب هنا إلى شراب طهور وأكل هنيء لا ظمأ بعده ولا جوع، فما أهون ما بذل العبد في جنب ما نال!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
العمل الصالح مطية الفوز: حث المؤمنين على الاستكثار من الصالحات؛ فالجنة درجات وأهلها يتمايزون بحسب أعمالهم وأخلاقهم وإخلاصهم، ولا يظفر بهذه المقامات متكاسل ولا مغرور بالأماني الباطلة.
قيمة الكرامة عند العطاء: الآية تعلِّم المؤمن أن إكرام الضيف وتطييب خاطره بالقول الحسن عند تقديم الطعام من كمال المروءة، فالكلمة الطيبة تهنئ الطعام وتضاعف بهجته.
حقيقة العبودية: التوازن بين العمل الصالح وعدم الإدلال به على الله، فيعمل العبد بأقصى جهده امتثالاً وحباً، ويعلق قلبه برحمة الله وفضله طمعاً ورجاء.