هذه الآية الكريمة قاعدة كبرى وأصل عظيم من أصول الرحمة الإلهية بعباده المؤمنين، في إلحاق ذرية المؤمنين بهم لتقر أعينهم وتكتمل بهجتهم.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٦٧)مصدر غير محدد٢٢/٤٦٧ بإسناده الصحيح عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ...}: قال: «إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه»، ثم قرأ هذه الآية. ورواه الحاكم في المستدرك (ج ٢، ص ٤٦٨)مصدر غير محدد٢/٤٦٨ وصححه ووافقه الذهبي.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٣٧)مصدر غير محدد٧/٤٣٧: يخبر تعالى عن فضله وكرمه وامتنانه ولطفه بعباده المؤمنين، أنه إذا بلغت منزلة الآباء في الجنة درجة رفيعة، وكانت ذراريهم قد تبعوهم في أصل الإيمان لكنهم قصرت بهم أعمالهم عن بلوغ درجات آبائهم، فإن الله برحمته وكرمه يرفع الذرية إلى درجات الآباء من غير أن ينقص الآباء من أجورهم شيئاً، ليجمع شملهم وتطيب نفوسهم.
وقرأ الجمهور: {وَاتَّبَعَتْهُمْ} بتاء التأنيث، {ذُرِّيَّتُهُم} بالإفراد، وقرأ أبو عمرو وابن كثير ويعقوب: {وَاتَّبَعَتْهُم ذُرِّيَّاتُهُمْ} بالجمع. وقرأ ابن عامر: {وَأَتْبَعْنَاهُم ذُرِّيَّاتِهِم} بقطع الهمزة ونصب الذرية.
وقوله: {وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ}: قال ابن عباس ومجاهد: ألتناهم أي ما نقصناهم، من ألت يلت إذا نقص وغبن.
وقوله: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}: قال قتادة: مرتهن بعمله ومحاسب عليه؛ فالكافر مرتهن ومحبوس بجرائمه وكفره، أما المؤمن فقد فك رهانه بإيمانه وطاعته كما قال تعالى في سورة المدثر: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالَّذِينَ}: الواو استئنافية أو عاطفة، الذين اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وخبره جملة {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}.
{آمَنُوا}: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{وَاتَّبَعَتْهُمْ}: الواو عاطفة، اتبعت فعل ماض مبني على الفتح، والتاء للتأنيث، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والميم للجمع.
{ذُرِّيَّتُهُم}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والهاء مضاف إليه والميم للجمع. والذرية في الأصل نسل الإنسان وصغاره من الذر وهو الخلق والنسل.
{بِإِيمَانٍ}: الباء حرف جر للملابسة أو السببية، إيمان اسم مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلق باتبعتهم أو في محل نصب حال من الذرية؛ أي ملتبسين بإيمان ولو كان ضعيفاً أو دون إيمان الآباء.
{أَلْحَقْنَا}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و(نا) فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ {وَالَّذِينَ}.
{بِهِمْ}: جار ومجرور متعلق بالفعل ألحقنا.
{ذُرِّيَّتَهُمْ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
{وَمَا}: الواو حالية أو عاطفة، ما نافية لا عمل لها.
{أَلَتْنَاهُم}: ألتنا فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا، و(نا) فاعل، والهاء مفعول به أول والميم للجمع، ومعناه ما نقصناهم وغبناهم.
{مِّنْ}: حرف جر صلة وتأكيد لاستغراق النفي (حرف جر شبيه بالزائد أو لابتداء الغاية التبعيضية).
{عَمَلِهِم}: اسم مجرور لفظاً منصوب محلاً مفعول به ثان لألتنا، وهو مضاف والهاء مضاف إليه.
{مِّن شَيْءٍ}: من حرف جر زائد لتوكيد العموم، شيء مجرور لفظاً منصوب محلاً على البدلية أو التأكيد، والمراد أدنى وأحقر قدر من الأجر.
{كُلُّ}: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف.
{امْرِئٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{بِمَا}: الباء سببية للمقابلة، وما مصدرية أو موصولة.
{كَسَبَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر يعود على امرئ.
{رَهِينٌ}: خبر المبتدأ {كُلُّ} مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو فعيل بمعنى مفعول؛ أي مرهون ومحبوس بما قدم من كسب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع وألطف هذا التناسب! لما ذكر الله نكاح الحور العين في الآية السابقة، تطلعت النفوس البشرية الفطرية المؤمنة إلى مصير الأهل والذرية في الدنيا؛ فهل يحرم المؤمن من ولده ونسله؟ وهل يفرق بينهم تفاوت درجات المنازل في الجنان؟ فبادر القرآن الكريم بإزالة هذا التوجس والهم بتقرير كمال الرحمة: بأن شمل النعيم الآباء والأبناء معاً، فرفعت الذرية إلى الآباء لتقر أعينهم بلقاء أبنائهم دون أي نقص يطرأ على كرامة الآباء وأجورهم.
المقابلة المحكمة بين صدر الآية وعجزها: صدر الآية إعلان للفضل الرباني المطلق في رفع الذرية المؤمنة: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}، وعجز الآية ترسيخ لقاعدة العدل الإلهي المطلق: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}، لئلا يتكل إنسان على نسبه وصلاح آبائه وهو مقيم على الكفر أو المعاصي؛ فالإلحاق مشروط بالإيمان {بِإِيمَانٍ}، فمن فرط في أصل الإيمان ارتهن بجريرته ولم ينفعه نسب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإشكال المزعوم في التناقض الظاهري: كيف يقال: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} دون عمل يوازيه، مع قوله: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ}، وقوله: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}؟
التحقيق الأصولي والعقلي الحاسم:
صرحت الآية الكريمة بشرط قطعي وهو: {بِإِيمَانٍ}؛ فالذرية لم تلحق بالآباء مجاناً وهي خالية من الإيمان، بل كان معهم أصل الإيمان وسعيهم الخاص، فكانوا يستحقون دخول الجنة بأصل إيمانهم، لكن درجتهم كانت دون درجة الآباء.
رفع الدرجة منزلة إضافية من باب الفضل والإحسان والزيادة، والله تعالى يثيب بالعدل ويزيد بالفضل، وتفضله بزيادة أجر الذرية أو إكرام الآباء بهم لا يناقض العدل، لأن العدل ألا يعاقب أحد بذنب غيره وألا ينقص من عمله شيء، وهو ما نصت عليه الآية: {وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ}.
إن سعي الآباء في تربية الأبناء على الإيمان، ودعاءهم المستمر لهم في الدنيا بظهر الغيب، هو من كسب الآباء وسعيهم المبارك، فكان إلحاقهم بهم من آثار سعيهم وصالح دعائهم؛ كما ثبت في الحديث: «أو ولد صالح يدعو له».
الاحتراس البلاغي العظيم في قوله: {وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ}: فإنه لما قال: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}، قد يسبق لوهم الواهم أن هذا الإلحاق والرفع وقع باقتطاع جزء من حسنات الآباء ونقلها إلى صحائف الأبناء حتى تتساوى الموازين، فنفى هذا الوهم بأداة النفي وحرف الجر الزائد المؤكد {مِّن شَيْءٍ}؛ أي إن عطاء الأبناء فضل جديد محض من خزائن جود الله، وثواب الآباء محفوظ كامل موفور لم ينقص منه جناح بعوضة.
دلالة التنكير في {بِإِيمَانٍ}: نكر الإيمان ليدل على أقل ما يتحقق به وصف الإيمان المقبول؛ فكل من ثبت له أصل الإيمان بالتوحيد والاتباع للأنبياء شمله هذا الوعد العظيم إن كان له سلف صالح رفيع الدرجات.
الإشارة التدبرية: استقرار الأسرة الصالحة واجتماع شملها في دار السلام أسمى درجات السعادة الروحية؛ فالقرآن لا يهمل المشاعر الفطرية الطاهرة بل يرعاها ويزكيها ويجعل خلودها في الجنة كمالاً للنعيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحفيز الآباء على تربية الأبناء: الآية أعظم بشرى لكل أب وأم يبذلان وسعهما في تحصين أولادهما بالعقيدة الصحيحة والأخلاق الفاضلة؛ فهذا التعب الدنيوي سيثمر اجتماعاً أبدياً لا فراق بعده في أعلى عليين.
كسر الاتكال الكاذب على الأنساب: التحذير من الغرور بالانتساب لآل البيت أو بيوت الصلاح مع التفريط في التوحيد والعمل؛ فالآية قيدت ذلك بقولها {بِإِيمَانٍ} وبقولها {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}، والنبي صلى الله عليه وسلم قال لقرابته: «يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنكِ من الله شيئاً».
إدخال السرور على المبتلين بفقد الأولاد: تسلية لكل مؤمن ومؤمنة فقدا ولداً في الدنيا أو قصر عمل ذريته، بأن رحمة الله أوسع وستجمع القلوب المؤمنة في ساحات الرضوان.