بعدما أبطل القرآن دعواهم بأنه تقوله، ألقمهم الحجر ورفع راية التحدي الخالد المعجز؛ فإذا كان رجلاً منكم وتعلّم لغتكم وتقوّله من عنده، فأنتم فصحاء العرب وبلغاؤها، فأتوا بكلام يماثله إن كنتم صادقين في دعوى التقوّل.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٨٠)مصدر غير محدد٢٢/٤٨٠ عن مجاهد وقتادة في قوله: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ}: قال: تحداهم الله تعالى أن يأتوا بمثل هذا القرآن حديثاً يضاهيه في الصدق والبيان والحكمة، وهم أهل اللسان والفصاحة، فعجزوا وانقطعوا وبان كذبهم وافتراؤهم.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٠)مصدر غير محدد٧/٤٤٠: يقول تعالى: إن كان هذا القرآن تقوّله وافتراه من تلقاء نفسه كما تزعمون، فأنتم مثله في الفصاحة والبلاغة واللغة العربية، فأتوا بحديث مثله؛ أي من جنس هذا القرآن في علو بيانه وصدق أخباره وحسن نظمه وأحكامه، إن كنتم صادقين في زعمكم أنه تقوّله، فإنكم لا تقدرون على ذلك أبداً ولو كان بعضكم لبعض ظهيراً.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٧٣)مصدر غير محدد١٧/٧٣: تدرج التحدي في القرآن الكريم على أربع مراتب حاسمة:
التحدي بالقرآن كله كما في هذه الآية وسورة الإسراء: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ}.
التحدي بعشر سور مثله مفتريات كما في سورة هود: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ}.
التحدي بسورة واحدة مثله كما في سورة يونس: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ}.
التحدي بسورة من مثله كما في سورة البقرة: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ}، فعجزوا عن أدنى مراتب التحدي، وبان إعجاز القرآن لكل ذي عقل.
وفي التحرير والتنوير: سمى ما يتحدون به {حَدِيثٍ} مجاراة لدعواهم أنه كلام بشري؛ أي فليأتوا بأي كلام أو خطبة تماثل هذا الحديث في فصاحته ونظمه وهديه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَلْيَأْتُوا}: الفاء فصيحة رابطة لجواب شرط مقدر؛ أي إن كان تقوله فليأتوا، اللام لام الأمر الجازمة للدلالة على التعجيز والتهكم، يأتوا فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعل.
{بِحَدِيثٍ}: الباء لتعدية الفعل، حديث اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والحديث في الأصل كل كلام يحدّث به الإنسان، ويطلق على الجديد ضد القديم.
{مِّثْلِهِ}: نعت لحديث مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة وهو مضاف، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه يعود على القرآن.
{إِن}: حرف شرط جازم مبني على السكون.
{كَانُوا}: فعل ماض ناقص مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو اسمها.
{صَادِقِينَ}: خبر كان منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله؛ أي إن كانوا صادقين فليأتوا بحديث مثله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع ترتيب هذه المناظرة القرآنية المعجزة!
حكى قولهم الباطل: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ}.
رد باطنهم وكشف عنادهم: {بَل لَّا يُؤْمِنُونَ}.
ألزمهم بالحجة العملية القاطعة التي لا مرد لها: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ}.
هذا الأسلوب يمثل ذروة الحجاج المنطقي؛ إذ ينقل الخصم من حيز الثرثرة وإلقاء التهم النظرية المجردة إلى ميدان الامتحان العملي، فإذا عجز الخصم ثبت بطلان دعواه يقيناً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
برهان العجز العملي التاريخي:
العرب كانوا أحرص الناس على إسقاط دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت معارضته بالقول أهون عليهم بكثير من بذل الأموال، وخوض الحروب، وسفك الدماء، وفقد الزعامات، وهجرة الأوطان.
فلو كان في وسعهم أن يأتوا بسورة أو حديث مثله لفعلوا وانتهى الأمر وخرست دعوته في مهدها!
وعدولهم عن المعارضة بالحروف والكلمات إلى المعارضة بالسيوف والطعنات هو أكبر اعتراف عقلاني وعملي بعجزهم التام عن مجاراة القرآن الكريم، وإقرار ضمني بأنه ليس من كلام البشر.
رد شبهة المحاكاة التافهة لمسيلمة الكذاب: حاول مسيلمة وسجاح محاكاة بعض آيات القرآن فأنتجوا كلاماً ركيكاً ساقطاً أضحك العقلاء وأزرى بأصحابه كقوله: (الفيل ما الفيل وما أدراك ما الفيل له خرطوم طويل)، فصار شاهدهم حجة عليهم في استحالة بلوغ النظم القرآني.
لام الأمر في سياق التعجيز {فَلْيَأْتُوا}: خرج الأمر عن معناه الحقيقي للطلب إلى التعجيز التام وإظهار الإفلاس؛ كقولك لمن يدعي القوة وهو عاجز: فاحمل هذا الجبل إن كنت بطلاً.
تنكير {حَدِيثٍ}: تنكير لتقليل المطلوب وتسهيله؛ أي فليأتوا بأي حديث كان، قصيراً أو طويلاً، مماثل لهذا النظم المعجز في سموه وحكمته.
تعليق الأمر بالشرط {إِن كَانُوا صَادِقِينَ}: تعليق يحمل نفي الصدق عنهم بطريق التلويح؛ أي إن كنتم صادقين ولستم كذلك البتة.
الإشارة التدبرية: إعجاز القرآن الكريم قائم مستمر إلى قيام الساعة؛ تحدى به الأولين والآخرين، فعجزت أمامه كل فلسفات الأرض ونظرياتها، وبقي كتاب الله مهيمناً شامخاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاحتكام إلى البراهين العملية: درس للدعاة والمناظرين في نقل الخصوم من حيز إطلاق الشائعات إلى ميدان البرهان الواقعي؛ فالدعاوى إن لم تقم عليها بينات فأصحابها أدعياء.
الفخر بالقرآن والاعتزاز به: تعميق يقين المسلم بكتاب ربه؛ فالقرآن ليس مجرد نص تشريعي بل معجزة إلهية خالدة تشهد بصدق الرسالة في كل عصر ومصر.
الصدق معيار النجاة: ترسيخ قيمة الصدق؛ فالكذب لا يصمد أمام المحاكمة العقلية وتفضحه الوقائع مهما تستر بالزخارف.