تفصل الآية الكريمة حقيقة ذلك اليوم الموعود، وتجرد الكافرين من كل أسباب النجاة؛ فلا حيلهم ومؤامراتهم تنفعهم، ولا أحد من الأعوان والآلهة المزعومة يملك نصرتهم.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٨٩)مصدر غير محدد٢٢/٤٨٩ عن قتادة في قوله: {يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ}: قال: ذلك يوم القيامة، حين يبطل كل كيد مكروا به في الدنيا، ولا يجدون ناصراً ينصرهم من بأس الله ولا مانعاً يمنعهم من عذابه.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٢)مصدر غير محدد٧/٤٤٢: أي يوم لا ينفعهم مكرهم الذي مكروا به في الدنيا، ولا تدبيرهم الذي دبروه، ولا تنفعهم قوتهم ولا عشائرهم ولا آلهتهم التي عبدوها من دون الله، بل تنقطع بهم الأسباب وتتلاشى الأحلاف ويستسلمون للواحد القهار: {وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} أي لا يأتيهم نصر من خارج ولا يملكون دفع الضر عن أنفسهم.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٧٨)مصدر غير محدد١٧/٧٨: {يَوْمَ} بدل من {يَوْمَهُمُ} أو منصوب بيصعقون؛ وقوله {شَيْئًا} أي لا يدفع عنهم كيدهم شيئاً من العذاب، لا قليلاً ولا كثيراً، وجمع بين نفي كيدهم الذاتي ونفي نصرة غيرهم لهم ليحيط بهم الإفلاس من كل صوب.
وفي التحرير والتنوير: نفي الإغناء ونفي النصر يمثل نفي جميع وسائل الدفاع؛ فالمحارب إما أن يدافع عن نفسه بحيلته ودهائه وسلاحه (وهذا هو الكيد)، وإما أن يستنجد بحلفائه وجيوشه (وهذا هو النصر)، فنفى الله الأمرين معاً ليثبت عجزهم المطلق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَوْمَ}: ظرف زمان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو بدل من {يَوْمَهُمُ}، أو متعلق بالفعل يصعقون.
{لَا}: حرف نفي مبني على السكون.
{يُغْنِي}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء للثقل، والإغناء هو كفاية الحاجة ودفع المكروه وجلب النفع.
{عَنْهُمْ}: جار ومجرور متعلق بالفعل يغني.
{كَيْدُهُمْ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه، والميم للجمع.
{شَيْئًا}: مفعول مطلق نائب عن المصدر؛ أي إغناءً شيئاً، أو مفعول به لتضمين يغني معنى يدفع؛ أي لا يدفع عنهم شيئاً من العذاب.
{وَلَا}: الواو عاطفة، لا نافية لتأكيد النفي.
{هُمْ}: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{يُنصَرُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ {هُمْ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم ترابط الآيات! في الآية (٤٢) قال: {أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ}؛ فأثبت وقوع كيدهم في نحورهم في الدنيا، ثم جاءت هذه الآية لتؤكد خيبة كيدهم التامة في الآخرة: {يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا}؛ ليعلموا أن المكر السيئ خاسر في النشأة الأولى والنشأة الأخرى.
التقابل المحكم بين أداتي الدفاع البشري: نفي الكيد الداخلي الذاتي {كَيْدُهُمْ}، ثم نفي المدد الخارجي {وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ}؛ لسد جميع منافذ الأمل الكاذب أمامهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة القوة والسلطان يوم القيامة:
في الدنيا قد ينجو المجرم بحيلة محام ماكر، أو بدفع رشوة مالية، أو بالاحتماء بعشيرة قوية وسلطان نافذ؛ أما في الدار الآخرة فإن الموازين تسقط، وقوانين العدالة الإلهية تنفذ على الجميع بسواء، وتزول الأنساب والأموال والأحلاف: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}.
هذا البرهان العقلي يقود العاقل إلى التخلي عن الغرور بالقوة المادية في الدنيا؛ لأنها قوة موقوتة زائلة لا تصمد أمام سطوة الواحد القهار.
عموم نفي النصرة واستيعابه: الآلهة المزعومة والأنداد والأولياء الذين اتخذوهم شفعاء لا يملكون لهم نقيراً، بل يتبرأ المتبوعون من التابعين وتتقطع بهم الأسباب.
تنكير {شَيْئًا} في سياق النفي: يفيد استغراق أقل القليل؛ أي لا يدفع كيدهم حتى ولا مثقال ذرة من العذاب، ولا يخفف عنهم لحظة واحدة.
بناء الفعل للمجهول في {يُنصَرُونَ}: للدلالة على التعميم المطلق في نفي الناصر؛ فلا ناصر لهم من إنس ولا جن ولا ملائكة ولا أصنام؛ فالأبواب كلها مغلقة في وجوههم.
الإشارة التدبرية: من اعتز بغير الله ذل، ومن مكر بعباد الله مكر الله به؛ وأعظم الخسران أن يقف العبد يوم القيامة وحيداً فاقداً لحيلته ولأحبابه، مصطلياً بنار عدله سبحانه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير النفس من الخوف من مكائد البشر: طمأنة قلوب المؤمنين بأن كيد الأعداء مهما عظم فإنه هباء منثور، ولن يغني عنهم شيئاً أمام محكمة العدل الإلهية.
البراءة من الشرك والوسائط الباطلة: تجريد التوحيد والاعتماد على نصرة الله وحده، فمن كان الله معه فمن عليه؟ ومن كان الله ضده فمن ينصره؟!
الاستعداد للحقائق الكبرى: تذكير المسلم بأن نجاته غداً ليست بذكائه ولا بعلاقاته الدنيوية بل برحمة الله وبصالح عمله الصادق الخالص.