تصف الآية الكريمة كمال الخدمة والحفاوة التي يلقاها أهل الجنة، وما أعده الله لهم من الخدم والولدان المخصصين لراحتهم وإكرامهم.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٧١)مصدر غير محدد٢٢/٤٧١ عن قتادة في قوله: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ} قال: غلمان خُلقوا لخدمتهم في الجنة، كأنهم اللؤلؤ المكنون في الصدف، لم تمسه الأيدي، في البياض والصفاء والجمال والنشاط.
وروى ابن أبي حاتم وابن كثير (ج ٧، ص ٤٣٨)مصدر غير محدد٧/٤٣٨ عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: «ما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، كل غلام على عمل ليس عليه صاحبه».
وذكر القرطبي (ج ١٧، ص ٦٩)مصدر غير محدد١٧/٦٩: قوله: {غِلْمَانٌ لَّهُمْ} اللام للاختصاص؛ أي مملوكون لهم مختصون بخدمتهم لا يشاركهم فيهم غيرهم، كأنهم ملك خاص لكل مؤمن، والتشبيه باللؤلؤ المكنون لبيان كمال البياض مع الصفاء والنقاء، والرطوبة والحسن، لأن اللؤلؤ إذا كان في صدفه مكنوناً كان أصفى وأبعد عن التغير بالغبار واللمس.
وفي التحرير والتنوير لابن عاشور: شبه الغلمان باللؤلؤ المكنون لأن صفاء وجوههم وحسن بياضهم وجمال حركاتهم يجمع بين البهجة والوقار، وهم غلمان لا يهرمون ولا يموتون، خُلقوا في الجنة للخدمة الأبدية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَيَطُوفُ}: الواو عاطفة على الأفعال السابقة، يطوف فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والطواف المشي حول الشيء بحركة دائبة خفيفة نشيطة، مأخوذ من طاف يطوف طوافاً.
{عَلَيْهِمْ}: جار ومجرور متعلق بالفعل يطوف.
{غِلْمَانٌ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والغلمان جمع غلام، وهو الصبي والفتى دون سن البلوغ والرجولة الكاملة، وجمعها غلمة وغلمان، ويطلق على الخادم تلطفاً.
{لَّهُمْ}: اللام حرف جر للاختصاص والملكية التكريمية، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر باللام، والجار والمجرور في محل رفع نعت لغلمان.
{كَأَنَّهُمْ}: كأن حرف تشبيه ونصب من أخوات إن، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب اسمها، والميم للجمع.
{لُؤْلُؤٌ}: خبر كأن مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو الجوهر النفيس المستخرج من أصداف البحر.
{مَّكْنُونٌ}: نعت للؤلؤ مرفوع وعلامة رفعه الضمة، وهو اسم مفعول من كنّ الشيء يكنه إذا ستره وصانه في كنّ أو صدفة تحميه من التغير والأوساخ والابتذال، والجملة التشبيهية {كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ} في محل رفع نعت ثان لغلمان، أو حال منهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع إرداف ذكر مجالس النعيم والشراب {يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا} بذكر الخدمة الراقية السريعة! فالمجالس الملوكية لا تكمل فخامتها إلا بخدم ينقلون الآنية ويسارعون في تلبية الرغبات بنشاط وأدب؛ فجاء قوله: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ} ليرسم لوحة الخدمة الخالدة التي لا تشوبها مشقة ولا تأخر.
إضافة الغلمان إليهم بلام الاختصاص {لَّهُمْ}: تنفي أن تكون الخدمة مستعارة أو مشتركة تقتضي انتظار الدور، بل لكل ولي من أولياء الله خدمه المختصون به، يتلقون أوامره في طرفة عين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مسألة عقلية: ما حقيقة هؤلاء الغلمان؟ هل هم أطفال المؤمنين، أم أطفال المشركين، أم خلق مستقل في الجنة؟
التحقيق المنهجي لأهل السنة:
القول الأول: هم خلق أنشأهم الله في الجنة لخدمة أهلها، كالحور العين، لا يتغيرون ولا يكبرون، وهو ظاهر سياق الآيات واختيار جمهور المحققين ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن أطفال المؤمنين يلحقون بآبائهم في الدرجات العالية بنص الآية السابقة: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}، فلا يكونون خدماً لغيرهم بل هم مخدومون منعمون.
القول الثاني المروي عن بعض السلف: أنهم أطفال المشركين؛ وهذا رده كبار الأئمة ومنهم البخاري وغيره؛ لأن أطفال المشركين يمتحنون أو هم من أهل الجنة على الراجح من أقوال أهل العلم لقوله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة»، وأهل الجنة مكرمون لا مهانون.
النتيجة العقلية الصافية: هم خلق خاص من خلق الله المبدع، وجدوا لإظهار ملك المؤمن وكرامته، ولا عناء عليهم في الخدمة بل خدمتهم نوع من التسبيح والتنعم بالنشاط في جنات الخلد.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
التشبيه التمثيلي في {كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ}: لم يشبههم باللؤلؤ فحسب بل قيده بـ{مَّكْنُونٌ}، واللؤلؤ الرطب في قعر صدفه يكون في غاية الصفاء والبريق، لم تمسه الأيدي ولم يغيره الغبار وشعاع الشمس؛ وهذا التشبيه يفيض بالحسن والنقاء والنشاط والجمال الذي تسر به العيون.
دلالة التعبير بـ{يَطُوفُ}: اختيار الفعل المضارع دال على الخفة والحركة الرشيقة والسرعة في تلبية الحوائج؛ فهم محيطون بهم، يتنقلون بينهم بخفة وأدب، دون أن يثقلوا عليهم أو يضايقوا خلواتهم.
الاستدلال العقلي بالخادم على المخدوم: قال ابن القيم في حادي الأرواح: إذا كان الغلمان الذين يخدمونهم في هذا القدر الباهر من الحسن كأنهم لؤلؤ مكنون، فما الظن بجمال المخدوم وبهاء وجهه ونوره الذي أفيض عليه من نور ربه؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كرامة العبد المؤمن عند ربه: استشعار العزة الإيمانية؛ فالمؤمن المستضعف الفقير في الدنيا الذي قد لا يملك خادماً وربما كان أجيراً للناس، ينتظره في الجنة ملك عظيم وغلمان كاللؤلؤ المكنون يسعون في رضاه.
الإحسان إلى الخدم في الدنيا: الآية تنبه المؤمن إلى خلق التواضع؛ فإذا كانت الجنة فيها غلمان يخدمون برحمة ولطف، فالواجب على المسلم في دنياه أن يرفق بخدمه وعماله وأجرائه، وألا يكلفهم ما لا يطيقون، تأسياً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في حسن معاملة خادمه أنس.
العمل لدار البقاء: التفكر في زوال ملك ملوك الدنيا وسرعة فنائه، وتوجيه الهمة نحو الملك الأبدي المقيم الذي لا يحول ولا يزول.