هذا مطلع المحاكمة العقلية الكبرى وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته في مواجهة افتراءات قريش، بعدما استوفى القرآن تفصيل مصير المكذبين ونعيم المتقين.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٧٦)مصدر غير محدد٢٢/٤٧٦ عن مجاهد وقتادة في قوله تعالى: {فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ}: قال: أمره الله أن يصدع بالدعوة ويذكر الناس بالقرآن وبآيات الله، ونفى عنه ما قاله مشركو قريش وافتروه؛ فما أنت بنعمة ربك عليك بالنبوة والقرآن والعقل والرجاحة بكاهن يخرص بالظن ويتعامل مع الشياطين، ولا بمجنون زائل العقل.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٣٨)مصدر غير محدد٧/٤٣٨: يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم بإبلاغ رسالته وتذكير عباده بما أنزل إليه، ثم نفى عنه ما يرميه به أهل البهتان والضلال من الكهانة والجنون؛ أي لست بحمد الله كما يزعم الجاهلون كاهناً تخبر بالأكاذيب من رئي الجن، ولا مجنوناً تتخبط في أقوالك وأفعالك، بل أنت أكمل الناس عقلاً وأصدقهم لهجة وأعظمهم هداية.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٧١)مصدر غير محدد١٧/٧١: الباء في {بِنِعْمَتِ رَبِّكَ} متعلقة بمحذوف تقديره: ما أنت كاهناً ولا مجنوناً متلبساً بنعمة ربك؛ أي بفضل نبوته وإحسانه وعصمته، وقيل: هو قسم؛ أي ونعمة ربك ما أنت بكاهن ولا مجنون.
وفي التحرير والتنوير لابن عاشور: الفاء في {فَذَكِّرْ} فصيحة مفرعة على ما تقدم من دلائل الوعيد والوعد؛ أي فإذا كان الأمر كما ذكر من صدق الجزاء وواقعية العذاب وحقيقة النعيم، فاستمر على تذكيرهم ولا يثبطنك قولهم وكيدهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَذَكِّرْ}: الفاء فصيحة أو رابطة لجواب شرط مقدر، ذكّر فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين عارضاً، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت، والتذكير لغة إحضار المعنى في الذهن بعد غفلة عنه أو وعظ القلوب بما يرققها.
{فَمَا}: الفاء استئنافية أو تعليلية، ما نافية تعمل عمل ليس عند الحجازيين، أو تميمية مهملة.
{أَنتَ}: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم ما على الإعمال، أو مبتدأ.
{بِنِعْمَتِ}: الباء حرف جر للملابسة، نعمة اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلق بحال محذوفة من الضمير المستكن في الخبر؛ أي ما أنت منتفياً عنك الكهانة متلبساً بنعمة ربك، أو متعلق بـ(بكاهن).
{رَبِّكَ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والكاف ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
{بِكَاهِنٍ}: الباء حرف جر زائد لتأكيد النفي، كاهن اسم مجرور لفظاً منصوب محلاً على أنه خبر ما الحجازية، أو مرفوع محلاً خبر المبتدأ على الإهمال التميمي. والكاهن هو الذي يدعي معرفة الغيب واستراق السمع من الشياطين.
{وَلَا}: الواو عاطفة، لا نافية لتأكيد النفي.
{مَجْنُونٍ}: معطوف على كاهن مجرور لفظاً منصوب محلاً، والمجنون اسم مفعول من جُنَّ عقله، أي غُطّي وستر وزال تمييزه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع الانتقال من تصوير مشاهد القيامة ونعيم المتقين إلى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالثبات على التذكير! فالوحي حين فصل مصائر العباد أظهر حقيقة الرسالة، فناسب أن يؤمر الرسول بالاستمرار في مهمته غير مبالٍ بسفاهات المكذبين.
اقتران التذكير بنفي التهمتين الشنيعتين (الكهانة والجنون): لأن المشركين لما بهتوا بعظمة القرآن وفصاحته وعجزوا عن معارضته لجأوا إلى الطعن في شخص النبي صلى الله عليه وسلم، فتارة قالوا كاهن وتارة قالوا مجنون، فجاء النظم حاسماً في إبطال دعاواهم وتأكيد كماله صلى الله عليه وسلم بنعمة ربه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تناقض الخصوم العقلي المفضوح: كشف القرآن تناقض المشركين الفج؛ فالكهانة تقتضي دهاء وفطنة وذكاء وتركيب حيل واستراق أسماع، بينما الجنون زوال العقل واضطراب الإدراك والخلط في الكلام! فكيف يجمع العاقل في وصف شخص واحد بين كونه كاهناً عبقرياً ومجنوناً معتوهاً؟! هذا التناقض الصارخ يدل عقلاً على أنهم قوم مفترون لا يطلبون الحقيقة بل يتخبطون في إلقاء التهم جزافاً لإسكات صوت الحق.
برهان العصمة بنعمة الربوبية: قوله {بِنِعْمَتِ رَبِّكَ} حجة عقلية دامغة؛ فالذي غمره الله بنعمة الوحي والحكمة والكمال البشري وسلامة الفطرة لا يمكن أن يكون كاهناً ولا مجنوناً، فإن آثار النعمة ظاهرة في خلقه وصدقه ومنهجه.
الاعتراض البلاغي بـ{بِنِعْمَتِ رَبِّكَ}: توسط هذا القيد بين اسم ما وخبرها نكتة بيانية بالغة اللطافة؛ إذ قدم ذكر النعمة والاعتراف بالفضل قبل نفي النقص، تعريضاً بأن هؤلاء المفترين كفروا نعمة الله العظمى بإرسال هذا الرسول الكريم إليهم.
تأكيد النفي بالباء الزائدة في {بِكَاهِنٍ}: لاستغراق النفي ودفع أدنى شبهة أو وهم؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم منزه تنزيهاً مطلقاً عن مشابهة الكهان في سجعهم وخرصهم.
الإشارة التدبرية: أعظم رد على افتراءات المبطلين ضد الدعاة والمصلحين هو مواصلة الدعوة والتذكير {فَذَكِّرْ}؛ فالانشغال بتذكير الخلق بالحق يبتلع باطل الخصوم ويكشف زيفهم العملي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
رسوخ الداعية وثباته: الآية درس منهجي لكل حامل رسالة؛ أن المعارضين سيرمونه بأشنع الأوصاف (متخلف، رجعي، متطرف، مضطرب)، فلا يجوز له أن ينكسر أو يتراجع بل يزداد إصراراً على التذكير.
الاعتصام بنعمة الله: استشعار المؤمن أن ما فيه من هداية وعلم وعقل إنما هو محض نعمة من الله تستوجب الشكر والتواضع، ونسبة الفضل لولي النعم.
فضح أساليب التشويه الإعلامي: وعي المسلم بأن تشويه القدوات والدعاة سلاح قديم للمبطلين، والواجب تحصين المجتمع بالبصيرة وعدم الإصغاء للشائعات.