هذه الآية الكريمة هي قطب رحى الأدلة العقلية في القرآن الكريم، وبرهان الوجود الإلهي الذي يخلب الألباب ويهدم أسس الإلحاد في جملتين وجيزتين لا مزيد عليهما.
روى البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله: أم خلقوا من غير شيء، حديث رقم ٤٨٥٤)مصدر غير محددحديث رقم ٤٨٥٤ عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ} كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي».
وروى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٨١)مصدر غير محدد٢٢/٤٨١ عن قتادة في قوله: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ}: قال: أخلقوا من غير خالق خلقهم؟ لا! أم هم خلقوا أنفسهم؟ لا! فإذا لم يكونوا خُلقوا بلا خالق، ولم يكونوا هم خلقوا أنفسهم، فقد ثبت واضطر العقل إلى أن لهم خالقاً أوجدهم ودبرهم وهو الله الواحد القهار.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٠)مصدر غير محدد٧/٤٤٠: هذا المقام حصر عقلي قطعي في إثبات الربوبية والتوحيد؛ أي أحدثوا من غير محدث ولا علة ولا شيء أوجدهم؟ أم هم خلقوا أنفسهم؟ وكلا الأمرين باطل مستحيل ممتنع في صريح العقل؛ فتعين قطعاً أن لهم خالقاً خلقهم وأنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئاً مذكوراً، وهو الله لا إله إلا هو، ومع ذلك لم يوحدوه ولم يعبدوه وحده.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٧٤)مصدر غير محدد١٧/٧٤: هذا من أبدع الحجاج وأوجزه؛ قسم الحالات تقسيماً حاصراً لا مفر منه للعقل، وأسقط الباطلين فتعين الحق الواجب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَمْ}: حرف عطف منقطعة تقتضي الإضراب الانتقالي التوبيخي المتضمن لمعنى بل والهمزة الاستفهامية الإنكارية.
{خُلِقُوا}: فعل ماض مبني للمجهول (لما لم يسم فاعله) مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع نائب فاعل، والخلق لغة إيجاد الشيء على تقدير وتسوية من غير مثال سابق.
{مِنْ}: حرف جر لابتداء الغاية أو السببية؛ أي من غير سبب ولا خالق، أو من غير مادة أصلية.
{غَيْرِ}: اسم مجرور بمن وعلامة جره الكسرة الظاهرة وهو مضاف.
{شَيْءٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والشيء في أصح أقوال أهل اللغة هو الموجود أو ما يصح أن يعلم ويخبر عنه.
{أَمْ}: عاطفة منقطعة تفيد الإضراب الانتقالي.
{هُمُ}: ضمير منفصل مبني على السكون وحرك بالضم لالتقاء الساكنين، في محل رفع مبتدأ.
{الْخَالِقُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم، وصيغة الجمع بالتعريف تفيد الحصر؛ أي هل هم الذين أوجدوا أنفسهم وخلقوا ذواتهم؟ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم موقع هذه الآية في سياق السورة! بعد أن أفحمهم بالتحدي في عجزهم عن معارضة القرآن، ارتقى بالحجاج إلى أصل وجودهم ذاته، ونقلهم من عالم الألفاظ والمعارضات إلى عالم الوجود والنشأة الأولى؛ فأنتم أيها المعاندون موجودون بعد عدم، فكيف فسرتم هذا الوجود؟
الحصر العقلي الثنائي المحكم: حصر المسألة في أمرين باطلين بداهة: (الخلق بلا خالق / أو خلق النفس بنفسها)، فإذا بطل الافتراضان العبثيان اضطر العقل اضطراراً قهرياً إلى الإقرار بالخالق الحكيم العليم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المحاكمة العقلية الفلسفية الكبرى وإسقاط الإلحاد المعاصر:
هذه الآية الكريمة هي أدق صياغة لقانون السببية العقلي، ولإبطال نظريات الصدفة والعدم الإلحادية:
التفسير الأول: خُلقوا بلا خالق؛ أي وجدوا هكذا فجأة من العدم المحض بغير موجد ولا علة! وهذا عين المستحيل العقلي؛ لأن العدم المحض ليس شيئاً، واللاشيء لا يمكن أن يفعل أو يوجد شيئاً؛ فالقول بأن الكون أو الإنسان جاء من العدم المطلق هو انتحار للعقل وإنكار لأولى البديهيات العقلية.
التفسير الثاني: خُلقوا لعبث ولا غاية؛ أي لغير هدف ولا معنى، وهذا باطل يناقض حكمة النظام الكوني الباهر.
الاحتمال الثاني: {أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ}: أن يكون الإنسان قد أوجد نفسه وخلق ذاته! وهذا مستحيل بالضرورة؛ لأن خلق الشيء لنفسه يقتضي أن يكون موجوداً قبل أن يوجد ليمارس فعل الخلق، وأن يكون معدوماً في الوقت نفسه ليقع عليه فعل الإيجاد، وهذا جمع بين النقيضين ومحال عقلاً.
النتيجة العقلية الحتمية الوحيدة: بما أن خلق الشيء من العدم بلا خالق مستحيل، وخلق الشيء لنفسه مستحيل، فقد ثبت عقلاً ويقيناً بالضرورة القطعية أن للإنسان والكون خالقاً واجباً الوجود، حياً، قديراً، عليماً، حكيماً، أوجدهما وهو الله رب العالمين.
سر اضطراب قلب جبير بن مطعم: لما سمع جبير هذه الآية وهو يومئذ مشرك جاء في فداء أسرى بدر، أدرك ببصيرته اللغوية والفطرية قوة هذا الحصار العقلي الذي لا مهرب منه؛ فإما أن يقول بالعدم وهو سفاهة، وإما أن يدعي أنه خلق نفسه وهو كذب صريح، فلم يبق إلا التسليم بالخالق العظيم، فطار قلبه إيماناً وركع عقله لنور القرآن.
الإيجاز بالحذف والتقسيم الحاصر (السبر والتقسيم): صيغت الآية في سبع كلمات فقط، لكنها استوعبت جميع مذاهب الفلسفة والوجود منذ فجر التاريخ إلى يوم الناس هذا، وقدمت الجواب القاطع بأسلوب يعجز عنه كل فلاسفة الأرض.
التعبير بـ{مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ}: نكرة في سياق النفي تفيد استغراق كل ما يمكن أن يتوهم سبباً للوجود التلقائي؛ لقطع دابر توهم الصدفة أو الطبيعة الصماء.
الإشارة التدبرية: استقرار الفطرة على الإيمان أصل مجبول في النفس؛ وما الإلحاد والشك إلا أمراض طارئة وشذوذ فكري يعارض بديهة العقل الصريح وسلامة الفطرة النقية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحصين الشباب ضد الشبهات الإلحادية: جعل هذه الآية وسياقها العقلي قاعدة أساسية في مناهج التثقيف ومحاورة المتشككين؛ فالقرآن يقدم براهين عقلية قطعية تنسف خرافة التولد الذاتي وتفاهة الصدفة.
تعظيم قدر الخالق الموجد: استشعار العبد لضعفه وأنه لم يكن شيئاً، وأن الله هو الذي أنشأه وأمده بالنعم، مما يورث خضوع الجوارح والتذلل لعظمته سبحانه.
إحياء الفطرة بالتدبر: تكرار تلاوة هذه الآيات بخشوع واستحضار ما أحدثته في قلب جبير بن مطعم رضي الله عنه، لتفيض الهداية والسكينة في الصدور.