تتسع رقعة المحاكمة العقلية من خلق الذات الإنسانية إلى خلق الأجرام الكونية العظمى: السماوات السبع والأرض المهاد.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٨٢)مصدر غير محدد٢٢/٤٨٢ عن قتادة في قوله: {أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}: قال: لا والله ما خلقوا السماوات والأرض، بل يعلمون أن الله هو الذي خلقهما وحده لا شريك له، كما قال في الآية الأخرى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}، ثم قال تعالى: {بَل لَّا يُوقِنُونَ}؛ أي ولكنهم قوم لا يوقنون بثواب الله وعقابه، ولا يصدقون بالبعث والجزاء تصديقاً مستقراً في نفوسهم يثمر العمل.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤١)مصدر غير محدد٧/٤٤١: يقول تعالى: أم هؤلاء المشركون خلقوا هذا العالم العلوي وما فيه من كواكب ونجوم ومجرات، وهذا العالم السفلي وما فيه من بحار وجبال وأنهار؟ وهذا أمر لا يدعونه ولا يجرؤ أحد من الخلق على ادعائه، بل هم يعترفون بأن الله وحده خالق كل شيء، ولكن آفتهم عدم الإيقان والاضطراب والشك.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٧٤)مصدر غير محدد١٧/٧٤: المعنى: أأحدثوا هذا الخلق العظيم؟ وإذا عجزوا عن خلق أنفسهم فهم عن خلق السماوات والأرض أعجز وأضعف، ولكنهم كفروا عناداً لا لقصور في أدلة التوحيد، بل لعدم يقينهم وتغليب هواهم.
وفي التحرير والتنوير: الإضراب بـ{بَل لَّا يُوقِنُونَ} كشف للمرض الحقيقي؛ وهو أن إقرارهم بخلق السماوات والأرض لله كان إقراراً لفظياً صورياً لم يرسخ في قلوبهم رسوخ اليقين الذي يلزمهم بعبادته وحده ونبذ الأوثان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{خَلَقُوا}: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.
{السَّمَاوَاتِ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة الظاهرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{وَالْأَرْضَ}: الواو عاطفة، الأرض معطوف على السماوات منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{بَل}: حرف إضراب إبطالي وانتقالي يفيد رد باطلهم والانتقال لبيان واقعهم.
{لَّا}: حرف نفي.
{يُوقِنُونَ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعل، والجملة مستأنفة لا محل لها. واليقين في اللغة: استقرار العلم في القلب استقراراً لا يداخله شك ولا ريب، مأخوذ من يقن الماء إذا ركد واستقر في الحوض.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبدع هذا التدرج البرهاني التصاعدي!
في الآية السابقة حاججهم في خلق ذواتهم: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ}.
في هذه الآية ارتقى بهم إلى الكون المحيط بهم: {أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}؛ لأن خلق السماوات والأرض أكبر وأعظم من خلق الناس كما قال تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ}؛ فإذا كانوا عاجزين عن خلق أنفسهم ويدركون عجزهم التام عن خلق ذرة من السماوات والأرض، ثبت بطلان شركهم من كل وجه.
التدرج من نفي الإيمان {بَل لَّا يُؤْمِنُونَ} في الآية (٣٣) إلى نفي اليقين {بَل لَّا يُوقِنُونَ} في هذه الآية: يرسم سلماً دقيقاً للنقص؛ فنفى أولاً أصل التصديق والإقرار، ثم نفى هنا رتبة اليقين والاستقرار العقلي، ليدل على تخبطهم وتناقضهم بين ما تقر به ألسنتهم وما تنكره قلوبهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإلزام العقلي بالخالقية على الألوهية:
إذا كان المشركون يقرون بأن الله هو خالق السماوات والأرض ولا يشاركه في خلقهما صنم ولا حجر ولا شجر ولا وثن؛ فبأي مسوغ عقلي يصرفون العبادة والرجاء والخوف لتلك المخلوقات العاجزة؟!
سر غياب اليقين: لم يقل (بل هم جاهلون)، بل قال {بَل لَّا يُوقِنُونَ}؛ لأن المعرفة السطحية قد تجتمع مع الكفر، أما اليقين الذي يملأ القلب بالخشية والتعظيم والانقياد فهو المفقود عندهم بسبب انغماسهم في الأهواء.
عطف الأرض المفردة على السماوات الجمع: السماوات جمعت لعظمتها وتعدد طباقها واتساع عوالمها، والأرض أفردت لأنها موطن المخاطبين ومستقر حياتهم المشهودة.
الحصر والتعجيز بالاستفهام الإنكاري: التعبير بـ{أَمْ خَلَقُوا} يقرع أسماعهم بقوة ويوقفهم أمام عجزهم المطلق؛ فلا أحد يملك الجرأة على الادعاء.
الإشارة التدبرية: التفكر في خلق السماوات والأرض طريق اليقين؛ فكلما تأمل العاقل في مدارات الأفلاك وتوازن الأجرام وعظمة الكون، انقاد قلبه لعظمة الصانع سبحانه وازداد يقيناً بربوبيته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحويل المعرفة إلى يقين وعمل: التحذير من الاكتفاء بالمعرفة النظرية المجردة دون أن تثمر يقيناً وخشية؛ فالمشركون كانوا يعلمون أن الله خالقهم، لكن هذا العلم لم ينفعهم لغياب اليقين والانقياد.
إحياء عبادة التفكر الكوني: حث المسلمين على التأمل في آفاق الكون وبديع خلق الله في الطبيعة، لترسيخ شجرة اليقين في القلوب وطرد وساوس الشك.
محاربة الغرور التقني البشري: تذكير الإنسان المعاصر في عصر الفضاء والذرة بأنه مهما بلغ من العلم والتقنية فإنه لم يخلق ذرة من تراب ولا شعاعاً من شمس، بل هو مستكشف مسخر لما أوجده الله.