تواصل الآية تضييق الخناق المعرفي على المشركين بنفي امتلاكهم لأي سجل من سجلات الغيب يعتمدون عليه في جدالهم ومكابرتهم.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٨٦)مصدر غير محدد٢٢/٤٨٦ عن قتادة ومجاهد في قوله: {أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ}: قال: أعندهم علم الغيب واللوح المحفوظ فهم يكتبون منه للناس ما يزعمون من الأباطيل؟ لا والله، ليس عندهم من الغيب شيء، وإنما يتخرصون بالظنون والأوهام.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤١)مصدر غير محدد٧/٤٤١: أي أم عندهم علم الغيب فهم يكتبونه ويخبرون الناس به؟ ليس الأمر كذلك، فإنهم لا يعلمون من الغيب شيئاً، لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل، فمن أين جاؤوا بهذه المزاعم الباطلة في رد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والإنكار للبعث والجزاء؟!
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٧٦)مصدر غير محدد١٧/٧٦: الغيب هنا: اللوح المحفوظ وما غاب عن الخلائق؛ والكتابة: النسخ والإثبات؛ أي هل اطلعوا على القضاء والقدر وكتبوا منه أنهم على حق وأن المسلمين على باطل؟ أو أنهم لا يعذبون في الآخرة؟ هذا محال ممتنع.
وفي التحرير والتنوير: نفي كتابة الغيب إبطال لأقوى مظاهر الوثوق المعرفي؛ لأن العلم إذا كُتب وقُيد كان حجة راسخة، فنفى الله أن يكون لديهم أي سند مكتوب أو علم غيبي يصحح شركهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَمْ}: حرف عطف منقطعة تفيد الإضراب والانتقال المتضمن للإنكار والتهكم.
{عِندَهُمُ}: عند ظرف مكان منصوب متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه، والميم للجمع وحركت بالضم للتخلص من التقاء الساكنين.
{الْغَيْبُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والغيب ما غاب عن حواس المخلوقين وإدراكهم واستأثر الله بعلمه.
{فَهُمْ}: الفاء عاطفة سببية؛ أي فيترتب على وجود الغيب عندهم أنهم يكتبون، هم ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{يَكْتُبُونَ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ {هُمْ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا الإحكام النظمي! لما سلبهم القرآن في الآية (٣٨) السلم والمصعد الذي يستمعون به إلى السماء: {أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ}، سلبهم هنا ما هو أعم وأرسخ؛ وهو ثبوت الغيب في أيديهم مسطوراً مكتوباً: {أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ}.
فالمستند إما أن يكون سماعاً شفوياً وقد بطل بنفي السلم، وإما أن يكون وثيقة ومخطوطة مدونة وقد بطل بنفي كتابة الغيب؛ فلم يبق بأيديهم إلا الخرص والجهل المركب والاتباع الأعمى للآباء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفنيد مصادر التشريع الجاهلية والمحدثة:
المشركون كانوا يحرمون أشياء من عند أنفسهم كالبحيرة والسائبة والوصام وحام، وينسبون ذلك إلى الله زوراً؛ فسألهم القرآن: من أين أتيتم بهذا التشريع؟ هل عندكم كتاب من الغيب كتبتموه ونقلتموه عن الله؟!
هذا السؤال العقلي ينسف كل سلطة دينية كهنوتية تدعي معرفة الغيب أو تشرع بغير سلطان منزل؛ فالغيب المطلق لله وحده، ولا سبيل للوصول إليه إلا عبر رسله الصادقين المؤيدين بالمعجزات: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ}.
إسقاط ادعاءات المنجمين والكهنة: الآية تهدم كل أشكال العرافة وقراءة الطالع والتنبؤ بالأقدار؛ فالغيب ليس كتاباً مبذولاً يكتب منه الدجالون، بل سر إلهي مصون.
التعبير بالفعل المضارع {يَكْتُبُونَ}: تصوير حي لحالهم كأنهم جلسوا مجلساً علمياً ينسخون فيه من سجلات الغيب ويحررون الوثائق! وهو تهكم بالغ بفوضوية أهوائهم التي يزعمون لها القداسة.
تعريف {الْغَيْبُ} بلام الجنس والاستغراق: لنفي أي حظ لهم من علم الغيب كلياً أو جزئياً.
الإشارة التدبرية: الركون إلى الوثائق المحرفة أو الروايات المكذوبة في أمور العقيدة هلاك محقق؛ فالعقيدة لا تؤخذ إلا من نصوص الوحي المعصوم المحفوظ بحفظ الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
رد المسائل إلى الوحي الثابت: تربية المسلم على وزن كل قول وفكرة بميزان الكتاب والسنة؛ فلا قبول لدعوى غيبية أو حكم شرعي بغير نقل صحيح صريح.
محاربة الشائعات والرجم بالغيب: تطهير المجتمع من ترويج الشائعات المستقبلية والتخرص على أحداث الزمان بغير علم ولا هدى.
طمأنينة القلب بالقدر: استشعار أن مقادير الخلائق مكتوبة في اللوح المحفوظ بعلم الله ورحمته، وليس لأحد من البشر قدرة على تغييرها أو التحكم فيها.