تقرر هذه الآية الكريمة وعيداً صريحاً بأن للظالمين عذاباً قبل عذاب يوم القيامة؛ وهو عذاب الدنيا بالقتل والأسر والجوع والمصائب، وعذاب القبر والبرزخ.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٩٠)مصدر غير محدد٢٢/٤٩٠ بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ}: قال: يعني عذاب القبر قبل عذاب يوم القيامة. وروى مثله عن البراء بن عازب وعلي بن أبي طالب ومجاهد وقتادة.
وروى الطبري أيضاً عن قتادة ومجاهد: هو عذاب الدنيا بالقتل في بدر والمصائب والجدب، والقبر، {دُونَ ذَٰلِكَ} أي قبل عذاب يوم القيامة الأكبر.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٣)مصدر غير محدد٧/٤٤٣: أي وإن لهؤلاء الظالمين المعاندين عذاباً في هذه الدار الدنيا قبل عذاب يوم القيامة، كالجوع والجدب والأسر والقتل، وكذلك عذاب القبر في البرزخ؛ والآية من أصرح الأدلة القرآنية على ثبوت عذاب القبر؛ وقوله: {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} أي لا يوقنون بذلك ولا يفطنون له لغفلتهم وركونهم إلى العاجلة.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٧٩)مصدر غير محدد١٧/٧٩: {دُونَ ذَٰلِكَ} أي قبله؛ ودون تأتي في لغة العرب بمعنى قبل وبمعنى أقل؛ فالعذاب في الدنيا والقبر قبل عذاب جهنم، وهو أقل منه هولاً وشدة وإن كان شديداً أليماً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَإِنَّ}: الواو استئنافية، إن حرف توكيد ونصب مبني على الفتح.
{لِلَّذِينَ}: اللام حرف جر للاستحقاق، الذين اسم موصول مبني على الفتح في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر إن مقدم.
{ظَلَمُوا}: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها، والظلم وضع الشيء في غير موضعه، ورأسه الشرك والكفر.
{عَذَابًا}: اسم إن مؤخر منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{دُونَ}: ظرف مكان أو زمان منصوب على الظرفية متعلق بنعت لعذاباً، وهو مضاف؛ ومعناه قبله في الزمان أو دونه في الرتبة والشدة.
{ذَٰلِكَ}: اسم إشارة مبني في محل جر مضاف إليه، واللام للبعد والكاف للخطاب، والإشارة إلى عذاب يوم القيامة المذكور في الآيات السابقة.
{وَلَٰكِنَّ}: الواو حالية أو عاطفة، لكنّ حرف استدراك ونصب من أخوات إن.
{أَكْثَرَهُمْ}: اسم لكن منصوب بالفتحة وهو مضاف، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
{لَا}: حرف نفي.
{يَعْلَمُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر لكن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع إرداف الوعيد الأخروي بالوعيد العاجل! فالكافر إذا سمع بالوعيد المؤجل في القيامة قد يستبعده ويغتر بطول الأمل ويقول: هذا بعيد؛ فباغتهم القرآن ببيان أن العذاب ليس مؤجلاً كله إلى المحشر، بل هناك عذاب معجل يدق أبوابهم في الدنيا قبل الرحيل، وفي القبر فور إغلاق اللحد: {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ}.
الاستدراك بـ{وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}: يكشف سر تماديهم في الغي؛ وهو الجهل بأقدار الله وسننه في معاقبة الظالمين في دار البرزخ والدنيا.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الاستدلال القرآني القطعي على إثبات عذاب القبر:
أنكرت الملاحدة وبعض المبتدعة عذاب القبر بزعم أنه لم يذكر صراحة في القرآن؛ وهذه الآية الكريمة، ومعها قوله تعالى في سورة غافر: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}، من أصرح البينات القرآنية في إثبات عذاب البرزخ.
فقد أثبتت الآية عذابين: عذاب القيامة المتقدم في {يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ}، وعذاباً آخر واقعاً قبله {عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ}؛ فما هذا العذاب الذي يقع قبل القيامة وينزل بكل كافر وظالم إلا عذاب القبر والبرزخ، وما يصيبهم في الدنيا؟!
وقد استفاضت الأحاديث النبوية المتواترة في الاستعاذة من عذاب القبر وسؤال الملكين، فاجتمع البرهان القرآني والنبوي والعقلي على إثباته.
الحكمة من تعجيل بعض العقوبات في الدنيا: تعجيل المصائب والهلاك للظالمين في الدنيا ليس استيفاء للجزاء؛ بل هو إنذار للأحياء وإحقاق لبعض العدل، ليعلم الطغاة أنهم تحت قبضة الجبار في كل آن.
تنكير {عَذَابًا}: تنكير للتهويل والفظاعة؛ فهو عذاب مبهم مفزع لا يقدر قدر شدته وبأسه إلا الله.
الإشارة بـ{ذَٰلِكَ} للبعيد: للإشعار بهول عذاب القيامة وعلو شأنه في الفظاعة، بحيث صار كأنه في أقصى درجات الشدة.
نكتة التعبير بـ{أَكْثَرَهُمْ}: احتراس قرآني منصف؛ لأن قلة منهم كانوا يعلمون صدق النبي صلى الله عليه وسلم وأن عذاب الله نازل بهم، لكنهم كابروا حسداً وكبراً كأبي جهل وأمية بن خلف.
الإشارة التدبرية: القبر أول منازل الآخرة؛ إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النيران؛ فالموفق من عمر حفرته بالصالحات قبل أن يفجأه هول اللقاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترسيخ عقيدة الإيمان بعذاب القبر ونعيمه: حث المسلمين على المداومة على الاستعاذة بالله من عذاب القبر في كل صلاة عقب التشهد الأخير كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
الحذر من الظلم وعواقبه الوخيمة: تذكير الظالمين بأن ظلمهم لن يمر بسلام؛ فالله يمهل ولا يهمل، وعذاب الدنيا والبرزخ ينتظر كل من بغى وتطاول على عباد الله.
إيقاظ الغافلين من سبات الأماني: تحذير الشباب وعامة الناس من الركون إلى طول الأمل ومخادعة النفس بجهل المغيبات، والمسارعة إلى التوبة الصادقة.