ترسم الآية الكريمة مشهد الشراب والأنس والمنادمة الطاهرة بين أهل الجنة، خالية من كل مفاسد دنيا الخمر ورذائلها.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٧٠)مصدر غير محدد٢٢/٤٧٠ بإسناده عن قتادة ومجاهد في قوله: {يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا}: قال: يتعاطون فيها كأساً، أي يتناولها هذا من يد هذا، على وجه الملاطفة والمؤانسة والمحبة والسرور.
وفي قوله: {لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ}: روى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اللغو: الباطل، والتأثيم: الكذب. وعن قتادة قال: لا لغو فيها أي لا باطل، ولا تأثيم أي لا إثم فيها ولا كذب، ونزه الله خمر الآخرة عن قاذورات خمر الدنيا وأذاها؛ فخمر الدنيا يترتب عليها ذهاب العقل، واللغو الساقط من القول، والسباب والتأثيم والتقيؤ والصداع، وخمر الجنة بريئة مطهرة من كل ذلك.
وقال ابن كثير (ج ٧، ص ٤٣٨)مصدر غير محدد٧/٤٣٨: {يَتَنَازَعُونَ} أي يتجاذبون كؤوس الشراب تجاذب مداعبة وأنس وأخوة، كما يفعل الخلان الكرام، وشرابهم خمر لذيذ لا يهذي صاحبه ولا ينطق بسقط الكلام ولا يأثم بسببه.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: {لَا لَغْوَ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمَ} بالبناء على الفتح على نفي الجنس في الموضعين، وقرأ الباقون: {لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ} بالرفع والتنوين على إعمال لا عمل ليس أو الابتداء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَتَنَازَعُونَ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، وصيغة التفاعل (يتنازعون) تدل على المشاركة والمطاوعة والمجاذبة الودية اللطيفة، وليس النزاع هنا نزاع خصومة ومغالبة بل نزاع أنس وتناول وتجاذب تحبب.
{فِيهَا}: جار ومجرور متعلق بالفعل يتنازعون، والضمير يعود على الجنة.
{كَأْسًا}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والكأس مؤنثة في لغة العرب، ولا تسمى كأساً إلا إذا كانت مملوءة بالشراب، فإن كانت فارغة قيل لها إناء أو قدح.
{لَّا}: نافية للجنس تعمل عمل ليس على قراءة الرفع، أو نافية ملغاة وما بعدها مبتدأ.
{لَغْوٌ}: مبتدأ مرفوع أو اسم لا مرفوع وعلامة رفعه الضمة، واللغو هو الكلام الساقط المطرح الذي لا فائدة فيه.
{فِيهَا}: جار ومجرور في محل رفع خبر المبتدأ أو خبر لا، والضمير يعود على الكأس أو الخمر أو الجنة.
{وَلَا}: الواو عاطفة، لا نافية لتأكيد النفي.
{تَأْثِيمٌ}: معطوف على لغو مرفوع بالضمة، والتأثيم مصدر أثَّمه إذا نسبه إلى الإثم أو أوقعه فيه، أي لا يتكلمون بما فيه إثم ولا يلحقهم من شربها إثم ولا يؤثم بعضهم بعضاً. والجملة الاسمية {لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ} في محل نصب نعت لكأس.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبدع الانتقال من ذكر الأكل واللحوم إلى ذكر الشراب والمناغمة ومجالس الشراب! فالطبيعة الإنسانية إذا شبعت طلبت الشراب اللذيذ والأنس بالأصحاب، فصور القرآن ذلك بأرقى عبارة وأعف بيان.
استعمل صيغة {يَتَنَازَعُونَ}: لبيان خلو صدورهم من الشحناء والبغضاء؛ فتجاذبهم الكؤوس مظهر من مظاهر الصفاء والسرور المتبادل، حيث يصب هذا لذاك، ويناول الصاحب صاحبه حباً وتكريماً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد شبهة الإيهام في لفظ {يَتَنَازَعُونَ}: قد يتوهم قاصر الفهم أن التنازع يدل على المغالبة أو النزاع المذموم؛ والجواب أن لغة العرب ثرية شريفة، فالتنازع يأتي بمعنى التعاطي والتجاذب اللطيف، كقول الشاعر: (تنازعني كأساً كأن حمياها... شعاع ضحى)، والقرآن سلب عن هذا التنازع كل شائبة بقوله الحاسم: {لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ}، فعلم قطعاً أنه تجاذب تحابب وأنس لا تجاذب مغالبة.
محاكمة شرب الخمر: كيف تحرم الخمر في الدنيا وتباح في الآخرة؟
التحقيق الإيماني والشرعي: خمر الدنيا حرمت لعلل وأوصاف خبيثة لازمة لها: إفساد العقل، توليد العداوة والبغضاء، الإيقاع في الفواحش، الصد عن ذكر الله وعن الصلاة؛ فإذا نزعت هذه الخبائث والعلل وصارت الخمر طاهرة، لذيذة للشاربين، لا تسكر عقلاً، ولا تورث صداماً ولا إثماً، زالت علة التحريم وصارت من أبهج النعم، والتحريم والتحليل حق خالص للشارع الحكيم.
نفي اللغو والتأثيم: قمة البلاغة في التنزيه؛ لأن مجالس الشرب في الدنيا قلما تسلم من الهذر والسخف والسباب والفحش، فجاء نفي الأمرين ليدل على طهارة المحل، وطهارة الشراب، وطهارة النفوس الشاربة وطهارة أقوالهم وأفعالهم.
التعبير بالكأس منكرة {كَأْسًا}: لإفادة الامتلاء والروعة والبهاء؛ فالكأس تترقرق بالشراب الطهور الذي صفا لونه وطاب ريحه.
الإشارة التدبرية: المحروم في الآخرة من خمر الجنة من شرب خمر الدنيا ولم يتب، كما جاء في الحديث المتفق عليه: «من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة إلا أن يتوب»، فمن عاجل شهوته بالباطل حُرم النعيم الخالص المقيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تطهير المجالس من اللغو والآثام: توجيه عملي للمسلمين بتنزيه مجالسهم في الدنيا عن الغيبة والنميمة والسخرية والكلام الباطل، واقتباس خلق أهل الجنة في حفظ الألسن.
تعزيز قيم الأخوة والمودة: إشاعة روح الملاطفة والتهادي والإيثار بين المؤمنين في طعامهم وشرابهم ومجالسهم، تأسياً بأهل الجنان.
اليقين بحكمة الشريعة في التحريم: الاستسلام لحكم الله في تحريم المسكرات والمخدرات، واليقين بأن ما حرمه الله في الدنيا من خبائث إنما هو وقاية للعقول وصيانة للأعراض، وتعويض للمؤمن بما هو أزكى وأبقى.