ترتقي المحاكمة إلى تفنيد مصدر تلقيهم المزعوم؛ فإذا كانوا يجادلون في الوحي والقرآن ويكذبون الغيب، فهل لديهم وسيلة اتصال بالسماء واطلاع على اللوح المحفوظ تثبت صحة دعاويهم؟
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٨٣)مصدر غير محدد٢٢/٤٨٣ عن قتادة ومجاهد في قوله: {أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ}: قال: أم لهم مرقاة ومصعد إلى السماء يستمعون فيه إلى كلام الملائكة وما يوحى إليهم من أمر الغيب واللوح المحفوظ؟ {فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}: فليأت الذي يزعم أنه استمع بحجة واضحة وبرهان بين ظاهر يصدق ما ادعاه.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤١)مصدر غير محدد٧/٤٤١: أي أم لهم مرقاة إلى الملأ الأعلى يستمعون بها ما يقضى هناك؟ وهذا تعجيز لهم وإبطال لدعواهم؛ فإنه لا سبيل لهم إلى ذلك، فإذا كانوا يزعمون أن لهم سبيلاً إلى علم الغيب فليأت مستمعهم الذي يدعي ذلك ببرهان بين وبرهان قاطع على ما يزعمه، ولن يأتوا به أبداً.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٧٥)مصدر غير محدد١٧/٧٥: السلم: ما يرقى عليه من درجة ومصعد؛ سمي سلماً لأنه يسلمك إلى الموضع الذي تريده، وقوله: {يَسْتَمِعُونَ فِيهِ} أي عليه؛ كقوله: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} أي عليها، وقيل: فيه أي في السماء؛ لأن السلم يجعلهم في جوفها.
وفي التحرير والتنوير: تحدى القرآن مصادر المعرفة المادية والغيبية؛ فالعلم إما أن يؤخذ بالحس والبرهان المشهود وقد عجزوا عنه، وإما أن يؤخذ بالوحي والغيب من السماء، فهل صعدوا إلى السماء واستمعوا؟ كلا، فبطلت دعاويهم من سائر الجهات.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَمْ}: حرف عطف منقطعة تفيد الإضراب والانتقال المتضمن للإنكار والتعجيز.
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{سُلَّمٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والسلم ما يصعد عليه من درج ونحوه، وهو مذكر وقد يؤنث.
{يَسْتَمِعُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع نعت لسلم.
{فِيهِ}: جار ومجرور متعلق بالفعل يستمعون، و(في) للظرفية المكانية أو بمعنى على.
{فَلْيَأْتِ}: الفاء فصيحة، اللام لام الأمر الجازمة للتعجيز، يأت فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الياء)، والكسرة دليل عليه.
{مُسْتَمِعُهُم}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف، والهاء مضاف إليه والميم للجمع، ومستمع اسم فاعل من استمع.
{بِسُلْطَانٍ}: الباء لتعدية الفعل، سلطان اسم مجرور بالباء، والسلطان الحجة القاهرة الباهرة التي تسلط صاحبها على الخصم وتقهر باطله.
{مُّبِينٍ}: نعت لسلطان مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والمبين اسم فاعل من أبان؛ أي مظهر للحق وفاضح للباطل بوضوح لا لبس فيه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبدع هذه الدائرة النظمية المحكمة في سياق السورة!
بدأت السورة بالقسم بكتاب مسطور والطور والبيت المعمور، وبنزول الوحي من السماء على الصادق الأمين.
والمشركون كذبوا بهذا الوحي، فناسب أن يسألهم القرآن: ما هو مستندكم المعرفي البديل؟ هل صعدتم بسلم إلى السماء وسمعتم خلاف ما يخبركم به محمد صلى الله عليه وسلم؟!
هذا الإلزام النظمي يقطع دابر أي دعوى؛ إذ لا تثبت العقائد ولا الغيبيات إلا بالوحي الصادق من الله، فإذا انقطعوا عن الوحي ولم يكن لهم مصعد إلى السماء، ثبت أنهم يتبعون الظن وما تهوى الأنفس.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
فحسهم وعقلهم عاجز عن الإتيان بحديث مثله، وعاجز عن خلق ذرة.
والخبر الغيبي مقطوع عنهم؛ إذ لا سلم لهم إلى السماء، ولا ملائكة توحي إليهم، ولا معجزات تؤيدهم.
فإذا سقطت مصادر المعرفة المعتبرة، تحول كل ما يقولونه إلى خرافة وجهل وطغيان.
طلب السلطان المبين: لم يطلب منهم مجرد دعوى، بل طالبهم بـ{سُلْطَانٍ مُّبِينٍ}؛ أي برهان علمي قطعي مسلط على العقول، وهذا يؤكد أن الإسلام دين البرهان واليقين ولا يقبل الدعاوى العارية عن الدليل.
التصوير البياني الساخر بلفظ {سُلَّمٌ}: رسم القرآن مشهداً كاريكاتورياً ساخراً من خيالاتهم؛ بصورة السلم الذي ينصبونه ليرتقوا عليه إلى السماء متلصصين السمع كحال شياطينهم المسترقة للسمع! وهو تمثيل بالغ الإهانة لأهل الأوهام.
إفراد {مُسْتَمِعُهُم}: للدلالة على التعجيز؛ فلو ادعى واحد فقط منهم أنه مستمع فليأت بحجة، فإذا عجز الواحد عجز الجميع من باب أولى.
الإشارة التدبرية: لا يقبل في دين الله ادعاء الكشف والمكاشفات المزعومة أو تلقي العلوم من غير مشكاة الوحي والقرآن والسنة؛ فكل من زعم سبيلاً للغيب دون وحي الأنبياء فقد نصب سلماً من الأوهام والضلال.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاحتكام إلى الدليل والبرهان: تأصيل منهج التفكير النقدي لدى المسلم؛ فلا يصدق خرافة ولا يقبل فكرة في العقيدة والشرع إلا بسلطان مبين من كتاب أو سنة صحيحة.
محاربة الدجل والادعاءات الباطنية: التصدي للمشعوذين وأدعياء الاتصال بالغيب والنجوم والروحانيات الزائفة، ومطالبتهم بالبراهين العلمية الصادقة.
الاعتزاز بمصدرية الوحي: إدراك المسلم لنعمة الوحي الإلهي الصادق المحفوظ، الذي يغني العقل عن التخبط في مجاهل الظنون وسلالم الأوهام.