افتتح الحق جل جلاله هذا المقطع ببيان مآل المتقين بعدما استعرض مآل المكذبين الخائضين، وهذا من سنن النظم القرآني في إرداف الترهيب بالترغيب لتحقيق التوازن الوجداني في نفس القارئ والمؤمن.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٦٣)مصدر غير محدد٢٢/٤٦٣ بإسناده عن قتادة في قوله: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ} قال: اتقوا الله في الدنيا بطاعته، ومجانبة معاصيه، فأورثهم في الآخرة جناتٍ ونعيماً مقيماً لا يحول ولا يزول.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٣٦)مصدر غير محدد٧/٤٣٦ أن الله يخبر عن السعداء من عباده المتقين أنهم يوم القيامة في بساتين وأنهار وسرور وحبور، في أمن تام وأمان مستمر، جمع الله لهم بين كمال المسكن وطيب المأكل والمنكح والمنظر.
ونبه القرطبي (ج ١٧، ص ٦٣)مصدر غير محدد١٧/٦٣ إلى أن تنكير {جَنَّاتٍ} و{نَعِيمٍ} هنا للتعظيم والتفخيم؛ أي في بساتين لا يحيط بوصفها ناعت، ونعيم لا تنقضي أفانينه ولا يحصره حاصر، جمع الله فيه النعيم الروحي والبدني.
وفي السعدي تيسير الكريم الرحمن (ص ٨١٤)مصدر غير محدد٨١٤: يخبر تعالى عما أعد لأهل تقواه، الذين اتقوا سخطه وعذابه بامتثال أوامره واجتناب زواجره، أنهم في جنات عالية، فيها من كل زوج بهيج، ونعيم عام مستوعب لسائر ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، أفاد تقرير الثبوت واستقرار الحكم ونفي أي تردد في مجيء هذا الجزاء للمتقين.
{الْمُتَّقِينَ}: اسم إن منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم، وأصله من وقى يقي وقاية، والتقوى لغة: جعل وقاية وحاجز بين العبد وما يضره أو يحذره، وشرعاً: امتثال الأوامر واجتناب النواهي خوفاً من عقاب الله ورجاء ثوابه.
{فِي}: حرف جر مبني على السكون يفيد الظرفية المجازية الدالة على الاستغراق والإحاطة؛ كأن الجنات والنعيم محيطان بهم من كل جانب إحاطة الظرف بالمظروف.
{جَنَّاتٍ}: اسم مجرور بفي وعلامة جره الكسرة، والجنات جمع جنة، وهي البستان ذو الشجر الملتف المتكاثف الذي يستر ما تحته بظلاله الوارفة، مأخوذ من الجَنّ وهو الستر والخفاء.
{وَنَعِيمٍ}: الواو عاطفة، نعيم معطوف على جنات مجرور بالكسرة، والنعيم اسم لما يتنعم به الإنسان من النعم واللذات والمسرات، وبناؤه على وزن (فعيل) للمبالغة والدوام والاتساع.
والجار والمجرور {فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ} في محل رفع خبر إن، ومتعلق بمحذوف تقديره مستقرون أو كائنون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت الآية في قمة التناسب والمقابلة البديعة لما تقدم؛ فقد ختم المشهد السابق بقوله: {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ * يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ}، فقابل ذلك المشهد الرهيب بذكر جزاء المتقين {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ}.
المقابلة النظمية ظهرت في إسناد المكذبين إلى الخوض واللعب والاصطلاء بالنار، وإسناد المتقين إلى الجنات والنعيم الخالد، للدلالة على أن الجزاء من جنس العمل، وأن مفارقة الباطل في دار الغرور تورث الفوز بالحق في دار الخلود.
افتتاح الجملة بأداة التوكيد {إِنَّ} يرسخ يقيناً حاسماً في قلوب المؤمنين المبتلين بمكائد الكفار، رداً على تهكم المشركين واستهزائهم بالبعث والجزاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
إشكال متكرر: لماذا جمع الله بين الجنات والنعيم بعطف النعيم عليها، مع أن الجنات مظنة النعيم ومستقره؟
الجواب التحقيقي: العطف هنا ليس من باب التكرار الصوري بل لإفادة التأسيس المغاير بالاعتبار؛ فالجنات تدل على الأعيان والأماكن والمساكن الفاخرة والأنهار والبساتين، والنعيم يدل على الحالات الشعورية والوجدانية والملذات المعنوية المرافقة لسكنى تلك الجنان؛ فكم من ساكن قصراً بستانياً وهو منغص البال مقهور الفؤاد، فجمع الله لهم بين كمال المحل (الجنات) وكمال الحال والبهجة وسرور القلب (النعيم)، بحيث انتفى كل كدر أو ملل.
رد شبهة نفي الخلود أو محدودية الجزاء: أكد ابن عاشور في التحرير والتنوير أن التنوير والتنكير المستعمل في {جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ} دل بالاستقراء العقلي والبلاغي على نعيم لا يماثله نعيم الدنيا ولا تناله عوارض الفناء، لأن ما كان في جوار الحي القيوم وجزاؤه الصادر من كرمه اللامحدود واجب البقاء ما بقي ملكه سبحانه.
المجاز المرسل والظرفية الاستغراقية: استعمال حرف الجر {فِي} أضفى معنى الاحتواء والانغمار، فهم غارقون في النعيم، محاطون به من فوقهم ومن تحتهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، لا يشهدون مشهداً ولا يتنفسون نفساً إلا وهو نعيم خالص.
التنكير للتعظيم: تنكير {جَنَّاتٍ} و{نَعِيمٍ} يفتح آفاق المخيلة البشرية على اتساع لا حد له؛ إذ يعجز العقل البشري المحدود بخبرات دار الابتلاء عن تصور ما أعده الله لعباده الصالحين، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».
الإشارة التدبرية: التقوى التي قيدت العبد في الدنيا بسلاسل الأوامر والنواهي، وألجمت شهواته بالخوف والرجاء، انقلبت له في الآخرة سعة مطلقة ونعيماً لا حجر عليه فيه، فالقيد الاختياري في الدنيا أنتج الحرية الأبدية في الفردوس الأعلى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
غرس فضيلة التقوى: الآية نداء متجدد لكل مؤمن ومؤمنة أن يزن خطواته وأعماله بميزان التقوى؛ فلا استهانة بذنب، ولا تقصير في واجب، لأن الثمن الموعود هو جنات ونعيم يخلدان.
بلسم لقلوب الصابرين: يستشعر الداعية والمؤمن في خضم المصائب والفتن واضطهاد المترفين أن هذه الشدائد غمامة صيف عابرة، وأن العاقبة للمتقين، فيثبت ثبات الجبال الرواسي في ميادين الحق.
العمل القلبي: استمطار مراحم الله بحسن الظن، وتطهير القلب من الضغائن والأحقاد، لأن الجنات لا يدخلها إلا أهل الصدور السليمة، والتقوى تبدأ من خشية القلب {ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}.