تعود الآيات الكريمة إلى استعراض ألوان النعيم الحسي بعد ذكر إكرام الذرية، مبرزة التجدد المستمر في فيض الإنعام الإلهي.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٦٩)مصدر غير محدد٢٢/٤٦٩ عن مجاهد وقتادة في قوله: {وَأَمْدَدْنَاهُم}: قال: زدناهم وتابعنا لهم من كل خير وقتاً بعد وقت.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٣٨)مصدر غير محدد٧/٤٣٨: أي وألحقناهم وزدناهم من الثمار المتنوعة والفواكه الشهية الطيبة، واللحوم الرطبة اللذيذة من أي نوع يشتهونه ويرغبون فيه، من غير انقطاع ولا ممنوع.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٦٨)مصدر غير محدد١٧/٦٨: الإمداد هو الزيادة في الشيء متتابعاً متصلاً؛ يقال: أمددت الجيش بمدد إذا أرسلت لهم غوثاً بعد غوث، فإمداد أهل الجنة بالفاكهة واللحم معناه أنهم كلما فرغوا من لون أوتوا بلون آخر أطيب منه، لا تنقطع أرزاقهم أبداً.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشوياً» (رواه البزار وأبو يعلى ورجاله ثقات).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَأَمْدَدْنَاهُم}: الواو عاطفة على {أَلْحَقْنَا} أو على ما تقدم من أفعال الإنعام، أمدد فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا، و(نا) ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل يعود على الله جل جلاله، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول، والميم للجمع. وأصل الإمداد الزيادة بالعطاء شيئاً فشيئاً على وجه الإعانة والإكرام.
{بِفَاكِهَةٍ}: الباء لتعدية الفعل أو للملابسة، فاكهة اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهي اسم لكل ما يتفكه به من الثمار الطيبة التي لا يقصد بها سد الجوع الحتمي بل التلذذ.
{وَلَحْمٍ}: الواو عاطفة، لحم معطوف على فاكهة مجرور بالكسرة الظاهرة.
{مِّمَّا}: من حرف جر لابتداء الغاية أو التبعيض أو بيان الجنس، و(ما) اسم موصول مبني على السكون في محل جر بمن، والجار والمجرور في محل جر نعت ثان أو صفة للحم وفاكهة.
{يَشْتَهُونَ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والعائد محذوف تقديره يشتهونه، وجملة الفعل والفاعل صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تقديم الفاكهة على اللحم في النظم القرآني {بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ}: تكرر هذا الترتيب في عدة مواضع كما في الواقعة {وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ}، وهو إعجاز نظمي بديع يطابق الفطرة وكمال الهضم الصحي؛ إذ أثبت الطب الحديث أن تناول الفاكهة قبل اللحوم والدسم أنفع للمعدة وأسهل في الهضم وامتصاص العناصر.
تعليق العطاء على مجرد الاشتهاء {مِّمَّا يَشْتَهُونَ}: يدل على أن النعيم في الجنة ليس مفروضاً بنمط واحد مسبق؛ بل مدار نيله إرادة العبد المؤمن ولحظة خطوره على باله، فبمجرد أن تشتهي نفسه نوعاً من طير أو ثمر يتهيأ بين يديه دون كد ولا طلب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سؤال: ما الفرق بين المَدّ والإمداد في الاستعمال القرآني؟
التحقيق البياني والمعجمي: فرق علماء اللغة والمفسرون بينهما؛ فالغالب في القرآن استعمال (أمدّ) في الخير والرحمة والنصر، كقوله: {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ}، وقوله: {وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ}؛ أما (مَدّ) الثلاثي المجرد فالغالب استعماله في الشر والإمهال للاستدراج، كقوله: {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا}، وقوله: {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ}. فجاء التعبير بالرباعي {وَأَمْدَدْنَاهُم} ليبرهن على توالي ألطاف الله وكرمه الدافق على أوليائه.
إبطال دعوى الزهد السلبي المنكر لنعيم الجسد: أكد أئمة التفسير أن تشكيك بعض أرباب الإشارات الباطلة في حقيقة اللحوم والفواكه وزعم أنها مجرد رموز لأحوال عقلية باطل ظاهر؛ لأن النصوص القرآنية قاطعة في إثبات الحقائق، ونعيم الآخرة جمع الله فيه أعلى اللذات العقلية والروحية برؤية وجهه الكريم، مع أعلى اللذات الحسية المشروعة لأجساد مطهرة خالدة.
نكتة الفعل المضارع {يَشْتَهُونَ}: التعبير بالمضارع يفيد التجدد والحدوث المستمر لشهوات السرور، فكلما تجددت رغبتهم تجدد إمداد الله لهم، فلا يعرف السأم ولا الملل طريقاً إلى قلوبهم.
التنكير في {فَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ}: تنكير نوعي دال على الفخامة والتنوع اللانهائي الذي لا يقاس بما يعرفه أهل الدنيا إلا بمجرد تشابه الأسماء، كما قال ابن عباس: «ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء».
الإشارة التدبرية: من صام عن المحرمات في الدنيا، وكف بطنه عن الحرام والشبهات، أمدّه الله في الآخرة بما تشتهيه نفسه دون حساب، فعوض الله للصابرين يفوق كل خيال.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تطهير المأكل والمشرب في الدنيا: تربية العبد على أكل الحلال الطيب، فإن بطناً نما على السحت النار أولى به؛ أما البطن الذي تغذى بالحلال وتحرى الورع فهو المؤهل لتناول فاكهة الجنة ولحومها.
الرضا بما قسم الله: من حرم في الدنيا من طيبات الرزق أو ضيق عليه في معيشته لفقر أو ابتلاء، فإن عزاءه ويقينه في هذا الإمداد الخالد يورثه غنى النفس والرضا التام بقضاء الله وقدره.
التربية على الطموح العالي: استنهاض همم الشباب للعمل الصالح ليكونوا أهلاً لهذا الإمداد الرباني الذي لا ينفد أبداً.