تنتقل الآية إلى تفنيد فرية أخرى من مفتريات قريش، وهي زعمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم شاعر، وانتظارهم لموته وهلاكه ليتخلصوا من دعوته.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٧٧)مصدر غير محدد٢٢/٤٧٧ بإسناده عن مجاهد وقتادة في قوله: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ}: قال: قال مشركو قريش في دار الندوة حين تآمروا على النبي صلى الله عليه وسلم: هو شاعر ننتظر به الموت كما مات زهير والنابغة والأعشى، فيستريح منه قومه وتنطفئ دعوته، والمنون هو الموت والدهر وصروف الزمان.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٣٩)مصدر غير محدد٧/٤٣٩: أي بل يقول هؤلاء المكذبون: هو شاعر نتربص به حوادث الدهر وصروف المنية حتى يهلك كما هلك الشعراء قبله، فنستريح من شأنه ونرجع إلى ما كنا عليه.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٧٢)مصدر غير محدد١٧/٧٢: {أَمْ} هنا منقطعة مقدرة بـ(بل) والهمزة؛ أي بل أيقولون، و{رَيْبَ الْمَنُونِ} حوادث الدهر ونوائبه التي تؤدي إلى الهلاك والموت؛ والمنون الموت لأنه يمنّ قوى الرجال؛ أي يقطعها وينقصها، وقيل المنون الدهر لأنه يمنن الأعمار؛ أي ينقصها.
وفي التحرير والتنوير: ريب المنون ريب الموت؛ وأصله الشك، وأطلق على حوادث الموت لأن وقت وقوعها مشكوك فيه غير معلوم، أو لأن حوادث الدهر تقلق النفوس وتوقعها في الشكوك والاضطراب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَمْ}: حرف عطف وهي المنقطعة التي تقتضي الإضراب الانتقالي الدال على الانتقال من غرض إلى آخر، متضمنة معنى بل والهمزة الإنكارية التوبيخية.
{يَقُولُونَ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.
{شَاعِرٌ}: خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو شاعر، مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والجملة الاسمية مقول القول في محل نصب. والشاعر لغة ذو الشعور والفطنة، وغلب في العرف على ناظم الكلام الموزون المقفى على بحور الشعر.
{نَّتَرَبَّصُ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره نحن، والجملة الفعلية في محل رفع نعت لشاعر أو مستأنفة. والتربص هو الانتظار والتوقع للشيء مع تمكث وترقب.
{بِهِ}: جار ومجرور متعلق بالفعل نتربص.
{رَيْبَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف.
{الْمَنُونِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو الموت أو الدهر، مأخوذ من منَّ يمنّ إذا قطع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج القرآن في حكاية تهم المشركين بدقة عجيبة تفضح اضطرابهم: لما نفى عن نبيه الكهانة والجنون في الآية السابقة، انتقل بـ{أَمْ} المنقطعة إلى تهمتهم الثالثة: {شَاعِرٌ}، ثم كشف غايتهم الباطنة من هذا الوصف؛ وهي الأماني الكاذبة في هلاكه وموته: {نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ}.
هذا الانتقال يظهر عجزهم التام عن مواجهة الحجة بالحجة؛ فلما لم يجدوا ثغرة في القرآن الكريم ولا في سيرة الرسول، علقوا آمالهم على عوارض الدهر والموت الطبيعي، وهذا غاية الإفلاس العقلي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المحاكمة العقلية لفرية الشعر: كيف يزعمون أنه شاعر وهم أرباب الفصاحة وأمراء البلاغة في جزيرة العرب؟
الرد الحاسم: العرب يعرفون أوزان الشعر وبحوره وقوافيه جيداً، والقرآن الكريم مباين لجميع أساليب الشعر ونظمه وقوافيه مباينة تامة؛ فالقرآن ليس على وزن بحر من بحور الشعر الستة عشر، كما أنه لا يحمل خيالات الشعراء وأكاذيبهم ومبالغاتهم المدفوعة بالأهواء {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ}؛ فكان ادعاؤهم أنه شاعر كذباً مفضوحاً يعلمون هم بطلانه قبل غيرهم، وإنما أرادوا تبرير عجزهم عن معارضته.
إفلاس منطق الانتظار: انتظار موت صاحب الحق ليس دليلاً على بطلان دعوته؛ لأن الموت نهاية كل حي، والمبادئ الحقة لا تموت بموت دعاتها، فلو مات النبي صلى الله عليه وسلم لبقي القرآن خالداً والتوحيد قائماً، فكان تربصهم جهلاً محكوماً بالخيبة.
الإيجاز بالحذف في {شَاعِرٌ}: حذف المبتدأ لإبراز التهمة بصورة فورية لاذعة كأنهم يلقونها في وجهه دون مقدمات.
الإضافة البيانية في {رَيْبَ الْمَنُونِ}: إضافة دالة على فزعهم الداخلي من هول الموت والتقلبات؛ فالمنون ذات ريب وقلق، ورغم كفرهم بالبعث إلا أنهم يدركون سطوة الفناء والموت.
الإشارة التدبرية: أعداء الحق في كل زمان إذا استيأسوا من إطفاء نوره، تحولوا إلى انتظار هلاك المصلحين وشماتة الموت، فما أتعس قلباً جعل غاية أمله هلاك ناصحيه!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين ببقاء الحق وزوال الشبهات: تعليم الدعاة أن رسالة الإسلام مستمرة ودائمة، وأن موت الأشخاص لا يعني توقف الدعوة؛ فالإسلام دين رب العالمين وليس مشروعاً بشرياً يزول بزوال مؤسسه.
الصبر على شماتة الأعداء: تربية النفس على الترفع عن ترصد الحاقدين وتمنياتهم السيئة، وتفويض الأمر إلى الله بقلب مطمئن.
الاستعداد لريب المنون: استحضار حقيقة الموت في كل لحظة، وأن المنون نازل بكل إنسان لا محالة، فالعاقل من قدم لآخرته ولم ينشغل بالتربص بغيره.