تنتقل المحاكمة العقلية إلى فضح تحكمهم في مشيئة الله واعتراضهم على اصطفاء النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٨٣)مصدر غير محدد٢٢/٤٨٣ عن قتادة في قوله: {أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ}: قال: أخزائن رحمة الله ونبوته ورزقه عندهم فيعطوا النبوة من شاؤوا ويمنعوها من شاؤوا؟ {أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ}: قال: أأم هم المسلطون الجبارون الذين يقضون في خلق الله بما يريدون؟ ليسوا كذلك ولا يملكون من الأمر شيئاً.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤١)مصدر غير محدد٧/٤٤١: أي أهؤلاء يملكون خزائن التدبير والتصرف في الملك حتى يقسموا رحمة ربهم ويفضلوا من شاؤوا؟ كما قال تعالى في سورة الزخرف: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}. وقوله: {أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ} أي المسلطون على الخلق بالقهر والجبروت؛ والمسيطر هو القاهر المتسلط الحافظ المترتب على الشيء.
وقرأ الجمهور: {الْمُصَيْطِرُونَ} بالصاد، وقرأ حمزة بالزاي الخالصة {الْمُزَيْطِرُونَ}، وقرأ قنبل عن ابن كثير وهشام عن ابن عامر بالسين الخالصة {الْمُسَيْطِرُونَ}، وقرأ حفص بالصاد مع جواز السين، وكلها لغات فصيحة في الكلمة.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٧٥)مصدر غير محدد١٧/٧٥: المسيطر أصله من السطر؛ كأنه الذي يكتب سطور الأشياء ويحفظها ويتولى تدبيرها وقهراً، والمعنى: أأرباب هم حتى يدبروا أمر النبوة والرزق؟
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{عِندَهُمْ}: عند ظرف مكان منصوب متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر مضاف إليه، والميم للجمع.
{خَزَائِنُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف، والخزائن جمع خزانة، وهي الموضع الذي يدخر فيه الشيء النفيس والمال والرزق، وخزائن الله أقداره ونعمه ورزقه ورحمته.
{رَبِّكَ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة، والكاف مضاف إليه.
{أَمْ}: عاطفة منقطعة تفيد الإضراب والانتقال.
{هُمُ}: ضمير منفصل مبني على السكون وحرك بالضم لالتقاء الساكنين، في محل رفع مبتدأ.
{الْمُصَيْطِرُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم، وصيغته اسم فاعل من صيطر أو سيطر يسيطر سيطرة فهو مسيطر، إذا كان ذا هيمنة وقهر وسلطان نافذ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع الانتقال من التحدي في أصل الخلق إلى التحدي في تدبير الملك والرزق والاصطفاء! فالخلق الأول ثبت أنه لله وحده، فناسب أن ينازعهم في توابع الخلق؛ وهي الخزائن والتصرف والتسليط:
هل تملكون خزائن الأرزاق والنبوة لتمنعوا محمداً صلى الله عليه وسلم من الرسالة وتعطوها لعظماء مكة والطائف؟
وهل تملكون القوة القاهرة والهيمنة التامة لتقهروا إرادة الله وتنفذوا مشيئتكم في خلقه؟
فإذا انتفى الأمران علم أن اعتراضهم على النبوة حسد محض وسفه لا وزن له.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك عقدة الحسد والطبقية الجاهلية:
كان كفار قريش يقولون كما حكى القرآن: {لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}، وكان اعتراضهم الحقيقي نابعاً من الاستكبار الطبقي وحرمان بيوتاتهم من شرف النبوة؛ فأخرسهم القرآن بأن النبوة هبة إلهية محضة من خزائن رحمة الله التي لا يملك مفاتيحها بشر، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
إسقاط دعاوى الهيمنة والجبروت: الحكام والمستكبرون قد يظنون في لحظات بطرهم أنهم مسيطرون على حركة التاريخ ومصائر الشعوب؛ فبينت الآية أن الهيمنة الحقيقية والقهر المطلق لله وحده، وما سيطرة الطغاة إلا وهم سرعان ما يتبدد.
إضافة الخزائن إلى {رَبِّكَ}: إضافة تشريف وتطمين للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فالخزائن ليست لأحد سواك بل هي لربك الذي يربيك ويعتني بك ويكلؤك، وهو الذي أفاض عليك من خزائنه نبوة وهدى لا مطمع لأحد في سلبهما منك.
البلاغة الصوتية في قراءات {الْمُصَيْطِرُونَ}: تناوب حروف الصفير (الصاد، السين، الزاي) في القراءات المتواترة يضفي صوتاً يتردد فيه معنى الشدة والإطباق والتحكم الذي يدعونه، فجاء الاستفهام الإنكاري ليفكك هذا الإطباق المزعوم.
الإشارة التدبرية: لا تستجدِ الرزق والنصر من أحد من الخلق؛ فالخزائن بيد الله وحده وليست بيد مدير ولا حاكم ولا دولة؛ فمن علق قلبه بخزائن الله كفاه كل ما أهمه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير القلب من التعلق بالمخلوقين: ترسيخ التوكل التام على الله في طلب الرزق والهداية، فمفاتيح الرحمة بيده وحده: {مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا}.
مجاهدة الحسد والرضا بقسمة الله: تحذير المؤمن من الاعتراض على فضل الله على غيره؛ فإن الحاسد معترض على قسمة رب العالمين لخزائن فضله.
هدم الصنمية البشرية: اليقين بأن أحداً من البشر لا يملك السيطرة المطلقة، فالأمور كلها محكومة بمشيئة العزيز الحكيم.