ترتقي المحاكمة العقلية إلى فرية اختلاق القرآن والافتراء على الله، وتفضح الباعث الحقيقي وراء هذا الزعم الباطل.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٨٠)مصدر غير محدد٢٢/٤٨٠ عن مجاهد وقتادة في قوله: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ}: قال: بل يقول مشركو قريش: اختلقه محمد وتكلفه من عند نفسه وافتراه، فرد الله عليهم بقوله: {بَل لَّا يُؤْمِنُونَ}؛ أي ليس الأمر كما زعموا، بل هم قوم معاندون جاحدون لا يصدقون بآيات الله ولا يريدون الإيمان مهما وضحت الأدلة.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٣٩)مصدر غير محدد٧/٤٣٩: أي بل يقولون: ابتدعه وافتراه من تلقاء نفسه، قال الله تعالى: {بَل لَّا يُؤْمِنُونَ}؛ أي إن كفرهم وعنادهم هو الذي حملهم على هذه المقالة، وإلا فهم يعلمون أنه من عند الله، وأنه لا يقدر أحد من البشر على الإتيان بمثل هذا القرآن العظيم.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٧٣)مصدر غير محدد١٧/٧٣: التقوّل: افتعال القول، وهو ادعاء القول واختلاقه كذباً وزوراً، ولا يقال تقوّل إلا في الباطل والكذب الذي لا أصل له؛ أي قال ما لم يقل، ورده الله بـ{بَل} الإضرابية الإبطالية؛ فكذبهم في زعمهم، وبين أن علتهم ليست اشتباه الأمر عليهم بل عدم إرادتهم للإيمان حسداً واستكباراً.
وفي التحرير والتنوير: الجملة إضراب انتقالي حاسم؛ انتقل به القرآن من تهمة الشعر والكهانة إلى تهمة افتراء الوحي وتكلفه، ليفصل بين دعوى الصدق ودعوى الكذب بأقوى المحاكمات العقلية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَمْ}: حرف عطف منقطعة تقتضي الإضراب والانتقال متضمنة معنى بل وهمزة الإنكار.
{يَقُولُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعله.
{تَقَوَّلَهُ}: تقوّل فعل ماض مبني على الفتح الظاهر، والفاعل ضمير مستتر يعود على النبي صلى الله عليه وسلم في زعمهم، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به يعود على القرآن، وصيغة التفعّل (تقوّل) تدل على التكلف والاختلاق والتزوير من غير أصل، والجملة في محل نصب مقول القول.
{بَل}: حرف إضراب إبطالي وانتقالي؛ يبطل دعواهم ويكشف علة كفرهم.
{لَّا}: حرف نفي.
{يُؤْمِنُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة مستأنفة لا محل لها تفيد تقرير حقيقة عنادهم الدائم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا الإضراب وقعاً في النظم القرآني! فقوله: {بَل لَّا يُؤْمِنُونَ} نسف فوري لجميع معاذيرهم السابقة؛ فبعد أن عدّد القرآن مقالاتهم: كاهن، مجنون، شاعر، تقوّله، أتى بـ{بَل} الإبطالية ليحسم أن هذه المقولات ليست ناتجة عن بحث صادق قادهم إلى الشك، بل هي غطاء مصطنع لكفر مسبق وقرار متخذ سلفاً بالجحود والعناد: {بَل لَّا يُؤْمِنُونَ}.
هذا يوضح أن تبدل دعاويهم وتناقضها دليل على أنهم لا يبحثون عن مخرج علمي بل يرمون التهم جزافاً لصرف الناس عن سماع القرآن.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
استحالة التقوّل بشهادة الواقع والتاريخ:
النبي صلى الله عليه وسلم عاش بينهم أربعين سنة قبل البعثة، لم يعرف عنه قرض بيت من شعر ولا خطابة ولا تكلف قول، بل عرفوه بـ(الصادق الأمين)؛ فكيف يدع الكذب على الناس أربعين سنة ثم يكذب على رب العالمين؟!
التقوّل البشري مهما بلغ دهاء صاحبه تظهر فيه سمات الضعف البشري، والاضطراب، والتناقض، وتأثر الأسلوب بالانفعالات النفسية؛ والقرآن الكريم كتاب محكم معجز نزل منجماً على مدار ثلاث وعشرين سنة في وقائع وأحوال شتى، وهو في أعلى درجات الإحكام والبيان والوحدة الموضوعية والتشريعية التي لا تضطرب.
أسلوب القرآن الكريم مباين مباينة تامة لأسلوب النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الشريفة؛ وهو فرق بياني يعرفه كل خبير باللغة والبلاغة، فلو كان القرآن من عنده لتماثل الأسلوبان.
الدلالة الصرفية لوزن (تفعّل) في {تَقَوَّلَهُ}: اختيار صيغة التقوّل يفضح نظرتهم؛ فهم يعلمون أن الكلام القرآني عظيم فوق طاقة البشر العادية، فزعموا أنه تكلفه وتصنعه بمشقة، وهو اعتراف غير مباشر منهم بعظمة النظم القرآني وخروجه عن مألوف كلامهم.
الحسم الإيجازي في {بَل لَّا يُؤْمِنُونَ}: قمة البلاغة في كشف الدواخل وإسقاط الأقنعة؛ فكلمتان فقط اختصرتا مئات الساعات من الجدل، وأبانتا أن لب المعركة نفسي عقائدي وليس لغوياً أو فكرياً.
الإشارة التدبرية: لا ترهق نفسك بالجدال مع من اتخذ قراراً مسبقاً بعدم الإيمان؛ فالجاحد لا ينفعه ألف برهان، وإنما تبذل الحجة لطالب الحق المنصف.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فضح نفسيات المعاندين: وعي الداعية بطبيعة الخصوم؛ فالخصم المعاند يخترع في كل مرحلة شبهة جديدة لا لأنه اقتنع بها، بل ليشغل أهل الحق بالدفاع والمنافحة.
ترسيخ عظمة القرآن الكريم: تعميق اليقين في نفوس الأجيال بأن القرآن كلام الله المعجز، المتنزل على قلب نبيه، المحفوظ بحفظ الله من كل تقوّل وتغيير.
الصدق مع النفس: تربية النفس على التسليم للحق فور ظهوره، والحذر من التمادي في تبرير الخطأ خشية الانتكاس في دركات {بَل لَّا يُؤْمِنُونَ}.