يلقن الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم الجواب الصارم الحكيم الذي يقطع أطماعهم ويهدم ترصدهم، بمقابلة تربصهم الباطل بتربص الحق المؤيد بنصر الله.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٧٨)مصدر غير محدد٢٢/٤٧٨ عن قتادة ومجاهد في قوله: {قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ}: قال: قل لهم يا محمد: انتظروا بي ريب المنون، فإني منتظر بكم ما وعدني ربي من النصر والظفر في الدنيا، وإهلاككم واستئصال شأفتكم، أو عذاب النار في الآخرة.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٣٩)مصدر غير محدد٧/٤٣٩: قل لهم يا محمد على وجه التهديد والوعيد الأكيد: انتظروا بموتي فإني منتظر بكم نزول عذاب الله وهلاككم وبواركم وسيرى من تكون له عاقبة الدار، كما قال تعالى في سورة التوبة: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ}.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٧٢)مصدر غير محدد١٧/٧٢: صيغة الأمر في {تَرَبَّصُوا} للتهديد والوعيد والتوبيخ الشديد كقوله: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ}، وقوله: {فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ} إظهار لقوة اليقين بنصر الله، وثبات القلب أمام تهديدات الكفرة.
وفي التحرير والتنوير: هذه المحاورة تقلب السحر على الساحر؛ إذ جعل انتظارهم سبباً لخيبتهم، لأن ما ينتظرونه للنبي صلى الله عليه وسلم هو الموت العادي وهو شرف وشهادة ورفعة، وما ينتظره الرسول لهم هو الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت، وهو أمر إلهي بتلقين الحجة.
{تَرَبَّصُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والأمر هنا خرج مخرج التهديد والوعيد والتهكم بأمانيهم الباطلة، وجملة تربصوا مقول القول في محل نصب.
{فَإِنِّي}: الفاء تعليلية أو استئنافية، إن حرف توكيد ونصب، والياء ضمير متصل مبني في محل نصب اسمها.
{مَعَكُم}: مع ظرف مكان منصوب متعلق بحال محذوفة، والكاف ضمير متصل في محل جر مضاف إليه، والميم للجمع.
{مِّنَ}: حرف جر للتبعيض أو بيان الجنس.
{الْمُتَرَبِّصِينَ}: اسم مجرور بمن وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم، والجار والمجرور في محل رفع خبر إن، وجملة إن واسمها وخبرها تعليل للأمر التهديدي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أسرع وأقوى هذه المقابلة! قابل قولهم: {نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} بقوله: {قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ}؛ ليدل على رباطة جأش النبي صلى الله عليه وسلم وتحديه الصريح لهم؛ فلم يدخل معهم في مهاترات ولا جزع من تهديدهم بالموت، بل قابل أمنيتهم الكاذبة بوعيد رباني حاسم لا يقبل الشك.
استعمال صيغة اسم الفاعل مع حرف الجر {مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ}: أبلغ من قوله (فإني أتربص)، لأن الانتظام في سلك المتربصين يوحي بالاستقرار والثبات في هذا الموقف، وأن سنن الله الكونية لا تحابي المكذبين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الموازنة العقلية بين التربصين:
تربص المشركين: تربص وهمي قائم على تمني عوارض الطبيعة (الموت)، وهو أمر إن وقع للرسول فإنه واقع بهم لا محالة؛ فما فضلهم إن مات وهو من فائزين؟
تربص النبي صلى الله عليه وسلم: تربص يقيني قائم على وعد الله الحق بنصر أوليائه واندحار الطغيان؛ فالنبي يتربص بهم إما القتل والأسر كما حدث في بدر وفتح مكة، وإما عذاب الاستئصال والخزي الأبدي، فشتان بين أمل باطل ووعد إلهي صادق.
دفع توهم الرضا بالشر: تربص النبي ليس تشفياً شخصياً، بل هو انتظار لإنفاذ مقتضى العدالة الإلهية في حق من أبى واستكبر وحارب دعوة التوحيد بعد قيام الحجة.
فن المشاكلة والمطابقة البلاغية: استعمال لفظ (التربص) في الجواب مطابقاً للفظهم في السؤال، لمقابلة باطلهم بجنسه رداً لكيدهم في نحورهم.
أسلوب التهديد بالأمر {تَرَبَّصُوا}: من أساليب الاستدراج والتوبيخ؛ أي افعلوا ما بدا لكم فلن تعجزوا الله، ونهاية أمركم إلى خسران.
الإشارة التدبرية: الثقة المطلقة بنصر الله هي زاد المصلحين؛ فمهما تكالبت قوى الباطل وخططت لإطفاء النور، فإن سنن الله قادمة، والصراع محسوم في اللوح المحفوظ لصالح عباد الله المؤمنين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التسلح باليقين عند اشتداد الأزمات: تعليم الدعاة والمؤمنين عدم الركوع لتهديدات الظالمين؛ فالله هو المتصرف في الآجال والمقادير، ولا يستطيع مخلوق أن يقدم أجلاً أو يؤخره.
تحويل التحدي إلى فرصة إيمانية: مواجهة التحديات بلسان الواثق بربه، وعدم الانجرار إلى معارك جانبية تستنزف الوقت والجهد.
انتظار الفرج عبادة: تربص المؤمن لنصر ربه نوع من التعبد بالصبر وحسن الظن وانتظار الفرج وتوقع الخير من مولاه.