بعدما استنفد معهم سبل الحجاج العقلي والبياني، وأبان عنادهم المستحكم الذي لا تجدي معه الآيات، أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم وتركهم إلى يومهم المحتوم الموعود بالعذاب والصعق.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٨٩)مصدر غير محدد٢٢/٤٨٩ عن قتادة في قوله تعالى: {فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ}: قال: ذرهم يا محمد ودعهم في ضلالهم وعنادهم، حتى يلقوا يومهم الذي فيه يهلكون ويموتون، وهو يوم القيامة عند النفخة الأولى أو عند موتهم وعذابهم.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٢)مصدر غير محدد٧/٤٤٢: هذا تهديد عظيم ووعيد شديد؛ أي فدعهم يا محمد ولا تحزن عليهم ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، حتى يلاقوا يومهم الموعود الذي فيه يصعقون؛ أي يموتون من شدة الهول والصوت، أو يعذبون أشد العذاب.
وقرأ الجمهور: {يُصْعَقُونَ} بضم الياء وفتح العين؛ من أصعقه الله فصُعق، وقرأ عاصم وابن عامر بفتح الياء {يَصْعَقُونَ}؛ أي يموتون ويغشى عليهم من هول النفخة والصاعقة.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٧٨)مصدر غير محدد١٧/٧٨: الصعق: الهلاك والموت المفاجئ؛ وأصله من الصاعقة، وهي الصوت الشديد الذي يزهق الروح؛ والصعقة الأولى هي نفخة الصعق المذكورة في سورة الزمر: {فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ}، وقيل هو يوم بدر، وقيل يوم موت كل واحد منهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَذَرْهُمْ}: الفاء فصيحة مفرعة على ما تقدم؛ أي فإذا كان هذا حال عنادهم ومكابرتهم فذرهم، ذر فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت، وهو فعل ماضيه مهجور (وذر) لا يستعمل منه إلا المضارع والأمر، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والميم للجمع.
{حَتَّىٰ}: حرف غاية وجر لانتهاء الغاية.
{يُلَاقُوا}: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد حتى وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والمصدر المؤول من أن والفعل في محل جر بحتى، والجار والمجرور متعلق بالفعل ذرهم.
{يَوْمَهُمُ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه، والميم للجمع.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب نعت ليومهم.
{فِيهِ}: جار ومجرور متعلق بالفعل يصعقون.
{يُصْعَقُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول (على قراءة الضم) مرفوع بثبوت النون، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا الإيقاع الزجري التهديدي في سياق السورة! تدرج الخطاب الإلهي من:
الأمر بالتذكير: {فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ}.
ثم تفكيك الشبهات والمحاكمة المنطقية المستفيضة.
ثم إظهار عنادهم حتى أمام المحسوسات: {وَإِن يَرَوْا كِسْفًا...}.
وصولاً إلى مرحلة الحسم وقطع الرجاء في عنادهم: {فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَاقُوا...}.
هذا الانتقال يريح قلب النبي صلى الله عليه وسلم من عبء الحزن عليهم، ويضع حدا فاصلاً بين مرحلة البيان والحجة وبين مرحلة الجزاء والانتقام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مسألة النسخ المزعوم: هل هذه الآية منسوخة بآية السيف والقتال؟
التحقيق الأصولي المحكم: الآية ليست منسوخة؛ فالأمر بالترك والإعراض {فَذَرْهُمْ} هنا ليس أمراً بترك جهادهم أو إقرارهم على الكفر، بل هو أسلوب وعيد وتهديد إلهي قاطع، وتفريغ لقلب النبي صلى الله عليه وسلم من ملاحقة لجاجهم وتضييع الأوقات في جدالهم العقيم؛ وهذا التوجيه التربوي والدعوي باقٍ غير منسوخ؛ فالداعية إذا أقام الحجة على معاند مستكبر وأصر على المكابرة، فعليه أن يتركه لشأنه ولا يغرق معه في سفسطات لا تنتهي.
دلالة إضافة اليوم إليهم {يَوْمَهُمُ}: إضافة وعيدية مرعبة؛ تدل على أن لهم يوماً خاصاً معداً لعقابهم لا يملكون الفرار منه ولا تأخيره لحظة واحدة.
جرس كلمة {يُصْعَقُونَ}: اختيار هذا اللفظ الشديد ذي الصدى المزلزل (الصاد والعين والقاف) يحمل في طياته صوت الصاعقة وهول الموت المفاجئ الذي يطير به الفؤاد وتزهق به الأرواح رعباً وقهراً.
الغاية في {حَتَّىٰ يُلَاقُوا}: تفيد استدراجهم وتوكيد اقتراب موعدهم؛ فالأيام تمضي واللقاء واقع لا محالة، فمهما عاشوا في غرور فإن نهايتهم بين يدي هذا اليوم المرعب.
الإشارة التدبرية: لا تبتئس بطول بقاء الظالمين ومكرهم؛ فإن لكل طاغية يوماً فيه يصعق؛ وسنة الاستدراج تمضي بهدوء حتى تأتي ساعة القضاء الإلهي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
إدارة وقت الداعية وجهده: تعليم الدعاة فقه الأولويات؛ فلا يستهلك الداعية طاقته مع المعاندين الجاحدين الذين أغلقت قلوبهم، بل يوجه جهده لتعليم الراغبين وهداية المسترشدين.
تسلية قلوب المصلحين: طرد اليأس والإحباط من نفوس الدعاة عند مواجهة الإعراض الجماهيري أو استكبار النخب الحاكمة؛ فالنتائج بيد الله والله هو الحكيم المنتقم.
استحضار هول المطلع والنفخة: تذكير النفس بيوم الصعق والوقوف بين يدي الله، والاستعداد له بالعمل الصالح والتوبة النصوح قبل مباغتة الأجل.