تكشف الآية الكريمة المخطط السري التآمري للمشركين ضد النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته، وتعلن الحكم الإلهي الحاسم بانقلاب كيدهم على نحورهم وهلاكهم في شباك ما مكروا.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٨٦)مصدر غير محدد٢٢/٤٨٦ عن قتادة في قوله: {أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا}: قال: يريدون كيداً برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين في دار الندوة حين تآمروا ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، {فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ} قال: فرد الله كيدهم في نحورهم، وقضى أن تكون الدائرة عليهم، فقتل صناديدهم ببدر وأذلهم في الدنيا وخسروا الآخرة.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤١)مصدر غير محدد٧/٤٤١: يقول تعالى: أم يريد هؤلاء بكلامهم ومقالاتهم ومؤامراتهم كيداً ومكراً بالرسول ودينه، وبالمؤمنين؟ فليعلموا أن مكرهم عائد عليهم ووباله نازل بساحتهم؛ كما قال تعالى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٧٧)مصدر غير محدد١٧/٧٧: الكيد: المكر والحيلة في الخفاء لإلحاق الضرر بالغير؛ وقوله: {هُمُ الْمَكِيدُونَ} صيغة اسم مفعول؛ أي هم الذين يحيق بهم الكيد ويهلكون به، لأن كيد الله متين، ومن كاد دين الله كاده الله وقصمه.
وفي التحرير والتنوير: العدول عن ضمير الخطاب إلى الاسم الظاهر {فَالَّذِينَ كَفَرُوا} تسجيل للكفر عليهم وربط للحكم بالعلة؛ أي إن علة وقوع الكيد بهم وهلاكهم هي كفرهم بالله ورسوله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يُرِيدُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والإرادة صفة تقتضي قصد الفعل وتوجه النفس نحوه.
{كَيْدًا}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والكيد هو السعي في الإضرار بالخصم في خفاء وحيلة.
{فَالَّذِينَ}: الفاء فصيحة أو عاطفة لبيان الجزاء الحتمي، الذين اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
{كَفَرُوا}: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{هُمُ}: ضمير فصل مبني على السكون وحرك بالضم لالتقاء الساكنين لا محل له يفيد القصر والحصر، أو مبتدأ ثان.
{الْمَكِيدُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم، وصيغته اسم مفعول من كاده يكيده كيداً فهو مكيد؛ أي المصاب بالمكر المغلوب بحيلة خصمه، وجملة المبتدأ وخبره جواب شرط مقدر لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع الانتقال من مجادلاتهم الفكرية واللسانية إلى تدبيراتهم العسكرية والتآمرية! فحين أفلسوا في ميدان الحجة والبرهان، ولم يبق لهم عذر عقلي ولا مالي، فزعوا إلى آخر أسلحة العاجزين: التآمر الخفي والكيد والاغتيال: {أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا}.
فجاءت الفاء الفصيحة حاسمة مباغتة لتصفع أطماعهم في مهدها: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ}؛ لإشعارهم بأن الله محيط بهم، وأن تدبيرهم إنما هو حفر لقبورهم بأيديهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قانون ارتداد الكيد الكوني والتاريخي:
بينت الآية الكريمة سنة كونية لا تتخلف: أن الكيد والمكر السيئ إذا واجه الحق وأهله فإنه يرتد على أصحابه بحتمية عقلية وقدرية؛ لأن الكائد مهما بلغ دهاؤه مخلوق ضعيف محدود العلم، ومكره محاط بعلم الله وقدرته القاهرة؛ فإذا مكر الكفار استدرجهم الله من حيث لا يعلمون حتى يوقعهم في شر أعمالهم: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}.
والتاريخ شاهد صدق: تآمروا على قتله ليلة الهجرة فخرج بين أيديهم ووضع التراب على رؤوسهم؛ وتآمروا في بدر فكانت مقبرة صناديدهم؛ وحاصروا المدينة في الخندق فأرسل الله عليهم ريحاً وجنوداً كفت المؤمنين القتال.
دفع توهم نسبة المكر المذموم إلى الله: مكر الله وكيده ليس ظلماً ولا عدواناً ابتدائياً، بل هو استدراج للظالم ومجازاة له بجنس مكره وقطع لدابر فساده، وهو عين الحكمة والعدل والكمال.
أسلوب الحصر والقصر بضمير الفصل وتعريف الخبر {هُمُ الْمَكِيدُونَ}: أفاد قصر صفة الوقوع في الكيد عليهم قصراً حقيقياً أو ادعائياً؛ أي هم دون غيرهم الذين سيقع بهم الكيد الحقيقي الخالد، أما كيدهم للنبي فهو زائل عابر لا أثر له.
الإظهار في موضع الإضمار {فَالَّذِينَ كَفَرُوا}: لم يقل (فهم المكيدون) بل أظهر الموصول وصلته، للدلالة على أن كفرهم هو الباعث على الكيد وهو العلة في استحقاقهم لتلك العقوبة.
الإشارة التدبرية: طمأنينة قلب المؤمن في مواجهة المؤامرات العالمية والتحالفات المعادية؛ فمهما اجتمع أهل الباطل ودبروا في غرفهم المغلقة فإن كيدهم محكوم عليه بالبوار، والمؤمن في كنف ربه آمن محفوظ.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثقة بوعد الله عند اشتداد المؤامرات: غرس السكينة واليقين في نفوس المستضعفين بأن مكر الأعداء مهما عظم فلن يضر الحق إلا أذى يسيراً، والعاقبة للمتقين.
الحذر من الوقوع في الكيد والظلم: نهي المسلم عن سلوك طرق المكر السيئ والخيانة حتى مع الخصوم؛ فإن المكر يرتد على صاحبه في الدنيا والآخرة.
اليقظة والأخذ بالأسباب المشروعة: اقتداء المسلمين بالنبي صلى الله عليه وسلم في الحذر من كيد الأعداء مع تمام التوكل على الله.