تستكمل الآية الكريمة المحاكمة العقلية الاستفهامية، فتسبر أغوار الموانع المادية المزعومة التي قد تحول بينهم وبين قبول دعوة الإسلام.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٨٥)مصدر غير محدد٢٢/٤٨٥ عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ}: قال: أتسألهم يا محمد على ما جئتهم به من الهدى والدعوة إلى الله جعلاً أو أجراً مالياً يثقل كواهلهم ويعجزهم أداؤه؟ لا والله، ما سألتهم مالاً ولا أجراً، وإنما تدعوهم لوجه الله ولنجاتهم، فما الذي يمنعهم من الإجابة إذا كان الحق مبذولاً لهم خالصاً نافعاً بلا غرامة ولا كلفة؟!
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤١)مصدر غير محدد٧/٤٤١: أي أم تطلب منهم يا محمد على إبلاغك الرسالة إليهم أجرة وأموالاً فهم يثقل عليهم حملها وغرامتها؟ ليس الأمر كذلك، بل أنت تبذل لهم النصيحة وتبلغهم رسالة ربك راجياً ثوابك من الله وحده، كما قال في الآيات الأخرى: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ}.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٧٦)مصدر غير محدد١٧/٧٦: المغرم: مصدر كالغرم، وهو ما يلزم الإنسان أداؤه مما ليس بواجب عليه بأصل الشرع، أو ما ينوبه من خسارة في ماله؛ والمثقل: الذي أثقله الحمل والعبء حتى عجز عن النهوض؛ أي لست تطلب منهم ضريبة ولا مالاً حتى يتثاقلوا عن اتباعك خوفاً من نفاد أموالهم.
وفي التحرير والتنوير لابن عاشور: هذا التدرج في السبر والتقسيم ينفي العوائق النفسية والمادية؛ فنفى أولاً أن يكون النبي كاهناً أو مجنوناً أو شاعراً، ثم نفى أن يكون مبطلاً في التحدي، ثم نفى أن يكون لديهم علم من غيب، وهنا ينفي أن يكون للدعوة ثمن مادي يشق عليهم بذله، فلم يبق لهم عذر البتة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{تَسْأَلُهُمْ}: تسأل فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول، والميم للجمع.
{أَجْرًا}: مفعول به ثان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والأجر هو العِوَض والجزاء المالي عن عمل مؤدى.
{فَهُم}: الفاء عاطفة تفيد السببية والترتيب؛ أي فيترتب على سؤالك الأجر أنهم من مغرم مثقلون، هم ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{مِّن}: حرف جر لابتداء الغاية أو السببية والتعليل؛ أي بسبب مغرم لحقهم.
{مَّغْرَمٍ}: اسم مجرور بمن وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو اسم لما يغرمه الإنسان كرهاً، والجار والمجرور متعلق باسم المفعول مثقلون.
{مُّثْقَلُونَ}: خبر المبتدأ {هُمْ} مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم، وصيغته اسم مفعول من أثقل يُثقل إثقالاً، إذا جعله ذا ثقل وحمل باهظ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع موقع هذا السؤال في ختام المحاكمة! فالإنسان بطبعه الشحيح قد يمتنع عن قبول المشروعات والصفقات النافعة إذا كانت تفرض عليه أعباء مالية باهظة أو رسوماً مكلفة؛ فناقشهم القرآن في هذه العلة الدنيوية الشائعة: هل فرض النبي صلى الله عليه وسلم عليكم إتاوة؟ هل طلب جعلاً على إرشادكم؟
الجواب المعلوم لكل قرشي: كلا! فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذ منهم درهماً ولا ديناراً، بل كان ينفق من ماله ويطعم فقراءهم؛ فبطل هذا العذر المادي وانحصر سبب امتناعهم في الكبر والعناد المحض.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قاعدة تجريد الدعوة من المصالح المادية:
من أعظم دلائل صدق النبوة عبر التاريخ البشري تجرد الأنبياء الكامل عن طلب المكاسب الدنيوية، كما قال نوح وهود وصالح وشعيب: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
المدعي الكاذب أو المتكسب بالدين لا بد أن تظهر في دعوته رغبة الجباية، وفرض الضرائب، وجمع الثروات، واستعباد الناس لمصلحته؛ أما الرسول صلى الله عليه وسلم فعاش فقيراً زاهداً، يربط الحجر على بطنه من الجوع، ويبيت الليالي طاوياً، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة أهله؛ وهذا البرهان العملي يسقط أي شبهة في نزاهته صلى الله عليه وسلم.
حقيقة التكاليف الشرعية: الزكاة والصدقات التي فرضت لاحقاً ليست أجراً للنبي، بل هي حق للفقراء والمساكين وتطهير لأموال الأغنياء، وقد حرمت الصدقة على النبي وآل بيته تحريماً قاطعاً صيانة لمقام النبوة عن أدنى شبهة انتفاع مادي.
نكتة التعبير بـ{مُّثْقَلُونَ}: صيغة اسم المفعول تصور حالتهم كأنهم قد وُضعت فوق ظهورهم أثقال وأحمال وأغلال تنوء بها عظامهم؛ في معرض السخرية من تثاقلهم الوهمي، مع أنه لم يطلب منهم فتيلاً.
تنكير {أَجْرًا} و{مَّغْرَمٍ}: نكرة في سياق الاستفهام الإنكاري تفيد العموم؛ أي لا تسألهم أي أجر، حقيراً كان أو جليلاً، ولا يلحقهم أدنى مغرم مالي.
الإشارة التدبرية: عفة الداعية وسلوكه المالي هما عنوان مصداقيته لدى الجماهير؛ فكلما استغنى الداعية عما في أيدي الناس وتعفف عن أموالهم، عظمت هيبته ورسخت كلمته في القلوب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
التجرد والإخلاص في الدعوة: توجيه العاملين للإسلام إلى عدم جعل الدعوة وسيلة للتكسب المالي أو التزلف لأصحاب الأموال، بل يكون رائدهم ابتغاء ما عند الله {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}.
تيسير سبل الهداية: إزالة العوائق المالية والمادية أمام طلاب العلم والراغبين في تعلم الدين والقرآن، وبذل العلم والمعرفة مجاناً ابتغاء مرضاة الله.
شكر نعمة الهداية الرخيصة الكلفة: تذكير المسلم بأن الله هداه للإيمان ومنحه أعظم نعمة في الوجود دون مقابل مالي، فحق هذه النعمة شكر المنعم ودوام الثبات.