بينت الآية الكريمة تفصيل حال المتقين في تلك الجنات وما يتلبسون به من بهجة وسرور، وجمع الله لهم بين حصول المطلوب والنجاة من المرهوب.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٦٤)مصدر غير محدد٢٢/٤٦٤ بإسناده عن مجاهد في قوله: {فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ}: قال: معجبين ناعمين بما أعطاهم ربهم من الكرامة والثواب. وروي عن الضحاك قال: الفاكه: الفرح النضر المسرور.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٣٦)مصدر غير محدد٧/٤٣٦: أي متلذذين مغتبطين بما تفضل به عليهم مولاهم من النعيم المقيم، والخير العميم، وتتمة النعمة وتمام السرور أن نجاهم من أهوال القيامة وعذاب الجحيم، فجمع لهم بين دفع المكروه وجلب المحبوب.
وأوضح البغوي في معالم التنزيل (ج ٧، ص ٣٩٥)مصدر غير محدد٧/٣٩٥: {فَاكِهِينَ} أي ناعمين فرحين، يقال: فكه الرجل إذا فرح وطابت نفسه ونعم باله، {بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ}: بما أعطاهم من الفضل، {وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} صرف عنهم العذاب الأليم.
وقال ابن عاشور في التحرير والتنوير (ج ٢٧، ص ٤٩)مصدر غير محدد٢٧/٤٩: الفاكهة في الأصل ما يؤكل تلهياً وتلذذاً لا قوتاً، واشتقت منها الفكاهة وهي الأنس والنشاط والمزاح الطيب، والفاكه المتلبس بالبهجة وانشراح الصدر الذي لا يعتريه غم ولا حزن.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَاكِهِينَ}: حال منصوبة من الضمير المستكن في قوله: {فِي جَنَّاتٍ}، أو حال من {الْمُتَّقِينَ}، وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم، وصيغته اسم فاعل من فكه يفكه فكهاً وفاكهة فهو فاكه، إذا كان ذا مرح وفرح وطيب عيش وتلذذ.
{بِمَا}: الباء حرف جر للملابسة والسببية، و(ما) إما مصدرية؛ أي بإيتاء ربهم إياهم، وإما موصولة بمعنى الذي؛ أي بالذي آتاهم ربهم، والعائد محذوف تقديره آتاهموه.
{آتَاهُمْ}: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر يعود على الرب، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف يعود على ما الموصولة، والميم للجمع.
{رَبُّهُمْ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والهاء ضمير متصل في محل جر مضاف إليه، والميم للجمع.
{وَوَقَاهُمْ}: الواو عاطفة على {آتَاهُمْ}، وقى فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف، والهاء مفعول به أول مبني على الضم في محل نصب.
{عَذَابَ}: مفعول به ثان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف.
{الْجَحِيمِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجحيم شدة تأجج النار والتهابها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكرار الاسم الكريم المضاف {رَبُّهُمْ} مرتين في آية واحدة: {بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ} له موقع بالغ اللطافة في علم النظم والبلاغة؛ إذ الأصل الإضمار كأن يقال: ووقاهم إياه، لكن العدول إلى إظهار الفاعل وتكرار اسم الربوبية يحمل دلالة التفخيم للمقام، وتذكير العبد بأن كل عطاء ووقاية إنما هما فيض ربوبية ورحمة وإحسان خاص من الله لأوليائه.
تقابل الجمع بين طرفي المعادلة الأخروية: العطاء المبهج والوقاية المنجية؛ لأن كمال السعادة لا يتحقق بمجرد نيل المشتهيات إن كان صاحبها يخشى نزول عذاب، ولا بمجرد السلامة من العذاب إن كان محروماً من النعيم، فجاء النظم ليقرر تمام الرضا بأسمى وجوهه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
مسألة عقلية: كيف يكون الفرح والفكاهة نعمة أخروية مع أن الفرح في القرآن ذُمّ في مواضع كقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}؟
التحقيق الإيماني: الفرح المذموم في القرآن هو فرح البطر والاستكبار والأشر والتطاول على الخلق والغرور بالدنيا ونسيان المنعم كحال قارون؛ أما الفرح المحمود فهو الفرح بفضل الله ورحمته وثوابه وطاعته، كقوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}، وفرح أهل الجنة هو فرح الشكر والبهجة بلقاء الله والظفر برضوانه، فهو ذروة العبودية ونعيم الروح والجسد.
دفع توهم الاستحقاق الذاتي: علق الزمخشري وابن عاشور بأن نسبة الإيتاء والوقاية إلى الرب صريحة في أن نيل الجنات والنجاة من النار فضل إلهي محض ومنة ربانية، كما في الحديث الصحيح المتفق عليه: «لن يدخل أحداً عملُه الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة».
الجناس والاشتقاق البديع بين لفظ (الفاكهة) وحال (الفاكهين): فالفاكه هو الذي نال سرور النفس ولذتها، وصار النعيم له سجية وطبعاً لا ينقطع عنه.
براعة الإطناب في تكرار صفة الربوبية {رَبُّهُمْ}: لإبراز معنى التربية والولاية الخاصة؛ فالرب هو المربي لعباده بنعمه، فكما رباهم في الدنيا بالإيمان والتوفيق، رباهم في الآخرة بالكرامة والخلود، وأكرمهم بجواره.
الإشارة التدبرية: أعظم ما يضاعف لذة النعيم لدى المتقي في الجنة تذكره لما نجاه الله منه من عذاب الجحيم، فإذا نظر إلى أهل النار وما هم فيه من دركات ولهيب، عظم شكره لربه واستشعر حقيقة الفضل الإلهي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استحضار شكر المنعم: تربية النفس على دوام شكر النعم، واستشعار أن كل نعمة دينية أو دنيوية إنما هي من الرب الرحيم، فلا يغتر العابد بعبادته.
الجمع بين جناحي الخوف والرجاء: الآية تربي السالك على أن يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار؛ لأن كمال الفلاح في اجتماعهما، وكان من أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل».
الطمأنينة النفسية: زراعة الأمل والسكينة في قلوب الدعاة والمؤمنين المستضعفين بأن آلام الطريق وتضحيات الثبات ستؤول إلى أبدية من الفكاهة والسرور والأمن التام.