تصف الآية الكريمة هيئة جلوس أهل الجنة ومجالس أنسهم، وما خولهم الله من تمام النعيم والرفعة وكمال الأزواج المطهرة.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٦٦)مصدر غير محدد٢٢/٤٦٦ بإسناده عن ابن عباس في قوله: {مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ} قال: قد صُف بعضها إلى بعض، مصفوفة متصلة لا ينقطع بعضها عن بعض، متواجهين لا يرى بعضهم قفا بعض.
وذكر ابن كثير (ج ٧، ص ٤٣٦)مصدر غير محدد٧/٤٣٦ أن الاتكاء هو الجلوس على صفة التمكن والراحة والاستقرار، والسرر جمع سرير، وهي مجالس الملوك والكرماء، ومصفوفة أي مرتبة منتظمة مقابلة بعضها لبعض. وقوله: {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} أي قرناهم بهن، والحور جمع حوراء، وهي الشديدة بياض العين الشديدة سوادها مع اتساع وجمال، والعين جمع عيناء، وهي واسعة العين حسناء المنظر بديعة القد والجمال.
وفي تفسير القرطبي (ج ١٧، ص ٦٥)مصدر غير محدد١٧/٦٥: قال مجاهد: {مَّصْفُوفَةٍ} أي على نسق واحد متقابلين كملوك الدنيا، وقال أبو عبيدة: التزويج هنا هو القرن، أي قرناهم بهن وجعلناهم أزواجاً، ليس من باب عقد النكاح الوضعي الدنيوي بل هو الاقتران والوصل الرباني.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السماء».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مُتَّكِئِينَ}: حال منصوبة ثانية من الضمير في {فِي جَنَّاتٍ} أو من الضمير في {كُلُوا وَاشْرَبُوا}، وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم، وصيغته اسم فاعل من اتكأ يتكئ اتكاء، وأصل تائه واو من الوكء (أوتكأ) فأبدلت الواو تاء وأدغمت في تاء الافتعال، والاتكاء الاعتماد في الجلوس على وسادة أو سرير للدلالة على كمال التمكن والراحة.
{عَلَىٰ}: حرف جر يفيد الاستعلاء الحقيقي المجازي دالاً على الرفعة والمكانة السامية.
{سُرُرٍ}: اسم مجرور بعلى وعلامة جره الكسرة، وهو جمع سرير، وسمي السرير سريراً لأنه موضع السرور ومقر أصحاب النعم والمُلك.
{مَّصْفُوفَةٍ}: نعت لسرر مجرور وعلامة جره الكسرة، وهو اسم مفعول من صفَّ الشيء إذا جعله على نسق منتظم وخط مستقيم متوازن.
{وَزَوَّجْنَاهُم}: الواو عاطفة أو حالية، زوج فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و(نا) ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل يعود على العظمة الإلهية، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والميم للجمع.
{بِحُورٍ}: الباء حرف جر للملابسة والقران (قرناهم)، وحور اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وحور جمع حوراء للمرأة وأحور للرجل، والحور في العين شدة بياض البياض وشدة سواد السواد.
{عِينٍ}: نعت لحور مجرور بالكسرة، وعين جمع عيناء، وهي واسعة العينين النجلاء الحسناء في كمال الطرف وحسنه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج النظم البديع في وصف نعيم أهل الجنة على أكمل نسق نفسي وحسي:
بدأ بالمأوى والمحيط المكاني العام: {فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ}.
تمم ذلك بقرين الصدق والأنس واللذة المشتهية: {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ}.
هذا الترتيب يطابق أعلى مراتب النعيم البشري الذي تطمح إليه النفوس الحكيمة؛ فالمسكن ثم السلامة ثم الغذاء ثم مجلس الوقار والوجاهة ثم الأليف الصالح الأنيس.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
الإشكال المثار حول دلالة الباء في {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ}: لم لم يقل (وزوجناهم حوراً عيناً) بتعدية الفعل بنفسه كما في قوله: {زَوَّجْنَاكَهَا} في سورة الأحزاب؟
الجواب البياني المحكم: قال الإمام الطبري وثعلب وابن عطية: تزوج في لغة قريش يتعدى بنفسه في النكاح العقدي المعهود؛ أما التعدية بالباء {بِحُورٍ} فهي لغة أزد شنوءة، وتفيد معنى: قرناهم بهن وألحقناهم بهن في صحبة ومودة وجمال، لبيان أن العلاقة في الجنة أسمى من مجرد العقد الدنيوي؛ بل هي اقتران كمال وخلود واختصاص رباني لا يداخله انقطاع ولا فراق ولا خصومة.
شبهة اعتراض الفكر المادي على وجود الحور العين: التحقيق أن خلقة الحور العين من آيات القدرة الإلهية المباينة لعالم التكاثر الترابي؛ فهن خلق نشأ في دار القدس على أكمل ما تتنعم به الأرواح والأجساد من طهارة الباطن وجمال الظاهر، قال تعالى: {إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا}.
المشهدية والتصوير البصري الرفيع في {عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ}: رسمت الآية لوحة بالغة الإتقان والمهابة؛ فالسرر المرتفعة المصفوفة تشير إلى الاجتماع والتآلف وحسن النظام، فلا عشوائية ولا تباعد ولا تداحر، بل قلوبهم على قلب رجل واحد، إخواناً على سرر متقابلين.
الوصف بالعين والحور: العين مرآة الروح؛ فحين يصف الحق سبحانه أزواج أهل الجنة بسعة العين وجمال طرفها، فإن ذلك يومئ إلى سحر المودة والنظرة العفيفة الطاهرة التي لا تطمح إلى غير زوجها ولا ترى سواه {قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ}.
الإشارة التدبرية: من صان جوارحه وبصره في الدنيا عن الحرام، وصبر على غض البصر ابتغاء وجه الله، متعه الله بالحور العين اللاتي أبدعهن الخالق في دار الخلود لتقر بهن أعين العابدين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
غض البصر والعفة في الدنيا: هذا النعيم أعظم حافز للشباب وعامة المؤمنين في مجاهدة الشهوات المحرمة المعاصرة من شاشات وفتن؛ فتذكر الحور العين يطفئ لهيب الشهوة الفانية ببرد اليقين الباقي.
بناء المجالس على الألفة والمحبة: استلهام أدب الجنة في مجالس الدنيا؛ فلا غيبة ولا تنافر ولا حسد، بل اجتماع على صفاء النية وتبادل المحبة والتناصح، تأسياً بأهل الجنة على سرر متقابلين.
إسناد الفضل لله تعالى: قوله {وَزَوَّجْنَاهُم} بنون العظمة، يربي العبد على أن التوفيق للأليف الصالح في الدنيا والآخرة نعمة ربانية تسأل من فضل الله وتستدعى بالدعاء.