تنتقل الآية من تصوير النعيم الحسي إلى تصوير النعيم النفسي والروحي والاجتماعي؛ حيث يتجاذب أهل الجنة أطراف الحديث في مجالس الصفاء، مستذكرين ما مضى من أيام الابتلاء في دار الدنيا.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٧٢)مصدر غير محدد٢٢/٤٧٢ بإسناده عن قتادة ومجاهد في قوله: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ}: قال: أقبل أهل الجنة على بعض يتساءلون عما كانوا فيه في الدنيا، وكيف نجوا من أهوالها، وما الذي أوصلهم إلى هذه الكرامة العظيمة.
وذكر ابن كثير (ج ٧، ص ٤٣٨)مصدر غير محدد٧/٤٣٨: أي أقبلوا يتحدثون ويتفاوضون في مجالسهم ومجامعهم، كما يتحدث الإخوان والرفقاء في الدنيا إذا اجتمعوا بعد فراق أو بعد نجاة من شدة، يتساءلون عن أعمالهم وأحوالهم في دار الابتلاء.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٧٠)مصدر غير محدد١٧/٧٠: التساؤل هنا تساؤل تذاكر واغتباط وحمد لله تعالى، وليس تساؤل حيرة أو جهل، بل يذكر بعضهم بعضاً بنعمة الله عليهم وكيف لطف بهم حين كانوا خائفين مشفقين في دار الغرور.
وفي التحرير والتنوير: صيغة الإقبال تدل على كمال التوجه بالوجوه والقلوب؛ إذ لا يلتفت أحدهم عن صاحبه استهانة به، بل هم مقبلون على بعضهم بالمودة والمحبة الخالصة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَأَقْبَلَ}: الواو استئنافية أو عاطفة على ما تقدم، أقبل فعل ماض مبني على الفتح الظاهر، ومعناه توجه بوجهه وبدنه نحو الشيء إقبالاً دون إعراض.
{بَعْضُهُمْ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف والهاء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه، والميم للجمع.
{عَلَىٰ}: حرف جر يفيد الاستعلاء والمجاوزة والتوجه.
{يَتَسَاءَلُونَ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير في بعضهم، وصيغة التفاعل تفيد الاشتراك؛ أي يسأل هذا ذاك ويسأل ذاك هذا في حديث ودِّي مستفيض.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع الانتقال من التلذذ بالأطعمة والأشربة والخدم إلى التلذذ بالمناجاة وحديث الذكريات! فالإنسان بطبعه إذا اطمأن واستقر أحب أن يسترجع مع أحبابه ذكريات الجهاد والشدائد التي كابدها، لأن تذكر المشاق بعد النجاة منها يضاعف حلاوة النجاة ويبعث في النفس عاصفة من مشاعر الشكر والحمد.
الترابط الوثيق بين الإقبال والتساؤل: فالإقبال يمهد للمحادثة؛ إذ لا حديث مع إعراض وتدابر، فدل النظم على سلامة صدورهم وتواجههم {إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
الإشكال المزعوم: كيف يتساءلون هنا، بينما قال الله تعالى في سورة المؤمنون: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ}؟
التحقيق المنهجي الحاسم: أجاب حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن هذا الإشكال جواباً سديداً رواه البخاري في صحيحه معلقاً والطبري وغيرهما؛ وبيانه: أن القيامة مواطن وأطوار:
الموطن الأول: عند النفخة الأولى وهول المحشر وتطاير الصحف والوقوف بين يدي الجبار؛ فهناك يذهل كل إنسان عن غيره لهول المطلع {فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} لشدة الرعب والذهول.
الموطن الثاني: بعد الحساب ودخول الجنة واستقرار أهلها في النعيم والأمن التام؛ فهناك يتفرغون للأنس والمحادثة والحمد فيقبل بعضهم على بعض يتساءلون كما في هذه الآية، فلا تعارض بين مواطن الخوف ومواطن الأمن.
البلاغة النفسية في استرجاع الذكريات: استحضار الماضي في دار الخلود يضفي على النعيم بعداً روحياً غامراً؛ فكلما تذكروا خوفهم القديم استشعروا عظمة الفضل الحاضر، وتعمق يقينهم بأن ما ضاع في الدنيا من أجل الله لم يضع.
صيغة {يَتَسَاءَلُونَ}: توحي بحميمية الحديث ودفء المودة، وتنوع الأسئلة عن دقائق المسيرة الإيمانية لكل واحد منهم.
الإشارة التدبرية: مجالس الصالحين في الدنيا إذا كانت عامرة بذكر الله والتواصي بالحق، كانت بذرة لتلك المجالس الخالدة في عليين، فالأرواح تتلاقى على ما تعارفت عليه في طاعة الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توثيق روابط الأخوة الإيمانية: تربية النفس على محبة المؤمنين ومجالستهم في الدنيا؛ فالصحبة الصالحة تدوم وتستمر إلى ما بعد الموت، وهي ذخر العبد في المحشر والجنة.
الاستهانة بآلام الدنيا: تذكير السالكين بأن آلام الابتلاء والجهاد مؤقتة، وستصبح مجرد ذكريات جميلة يتحدث بها المؤمن في الجنة باعتزاز وشكر.
أدب الحديث والمجالسة: الإقبال بالوجه على المتحدث والاستماع إليه بأدب وتفاعل، اقتداء بأخلاق أهل الجنة في إقبال بعضهم على بعض.