تبين هذه الآية جواب تساؤلهم، وتكشف عن سر نجاتهم وفوزهم؛ وهو الخوف من الله تعالى والوجل من عقابه وسوء الخاتمة حين كانوا في الدنيا بين أهليهم وعشائرهم.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٧٣)مصدر غير محدد٢٢/٤٧٣ عن قتادة في قوله: {إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ}: قال: كنا في الدنيا بين أهلينا خائفين وجلين من عذاب الله، مشفقين من ذنوبنا، حذرين من عاقبة أمرنا.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٣٨)مصدر غير محدد٧/٤٣٨: أي كنا في الدار الدنيا ونحن بين أهلنا وأموالنا في أمن ونعمة، ومع ذلك لم نبطر ولم نأشر ولم نغفل عن الآخرة، بل كنا خائفين وجلين من ربنا مشفقين من عذابه وسطوته، فبدل الله خوفنا أمناً، وإشفاقنا روحاً وريحاناً.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٧٠)مصدر غير محدد١٧/٧٠: الإشفاق: رقة القلب وحذر النفس من المكروه، وخوف الانتقال عن النعمة، والمؤمن يجمع بين الإحسان والمخافة، والمنافق يجمع بين الإساءة والأمن.
وروى البيهقي في شعب الإيمان وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: «وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين؛ إذا خافني في الدنيا أمَّنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالُوا}: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً واقعة جواباً لتساؤلهم المقدر.
{إِنَّا}: إن حرف توكيد ونصب، و(نا) المدغمة فيها ضمير متصل مبني في محل نصب اسمها.
{كُنَّا}: فعل ماض ناقص مبني على السكون لاتصاله بنا، و(نا) ضمير متصل مبني في محل رفع اسمها.
{قَبْلُ}: ظرف زمان مبني على الضم في محل نصب لانقطاعه عن الإضافة لفظاً لا معنى، والتقدير: كنا قبل هذا اليوم، أي في الدنيا دار الغرور.
{فِي}: حرف جر للظرفية المكانية الاجتماعية.
{أَهْلِنَا}: اسم مجرور بفي وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو مضاف و(نا) ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه، والجار والمجرور متعلق بحال محذوفة أو بالفعل كنا.
{مُشْفِقِينَ}: خبر كان منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم، وجملة كان واسمها وخبرها في محل رفع خبر إن، وجملة إن واسمها وخبرها في محل نصب مقول القول. والإشفاق في اللغة: الخوف الشديد الممتزج بالرقة والحرص والحذر على من تخاف عليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم مغزى قيد {فِي أَهْلِنَا}! لم يقولوا: كنا مشفقين في مساجدنا أو في خلواتنا فقط؛ بل ذكروا الإشفاق في موطن مظنة الغفلة والانبساط والشهوة والأمان؛ فالإنسان إذا خلا بأهله وعياله ركن إلى الدعة ولين العيش وغفل عن الحذر؛ فإذا كان مشفقاً خائفاً من ربه وهو في خلوة أهله وسعة دنياه، دل ذلك على عمق التقوى ورسوخ الإيمان ودوام مراقبة الله في كل حال.
المقابلة البديعة مع الكفار المذكورين في سورة الانشقاق: {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ}، فكافر الدنيا في أهله بطر لاهٍ مسرور لا يبالي بالمعاد، فصار في الآخرة معذباً؛ ومؤمن الدنيا في أهله مشفق وجل حذر، فصار في الآخرة فاكهاً مسروراً في جنات ونعيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مسألة عقلية: هل الخوف من الله كمال أم نقص؟
التحقيق الإيماني الفلسفي الراقي: الخوف من المخلوق قد يشوبه ذل وضعف وعجز؛ أما الخوف من الخالق سبحانه فهو عين الكمال البشري وأصل المعرفة والإجلال؛ لأنه خوف ناشئ عن تعظيم جلال الله وإدراك عظمته وهيبة مقامه والشعور بالتقصير في حقه، ولذلك قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}؛ فكلما ازداد العبد علماً بالله ازداد منه إشفاقاً ووجلاً.
دفع توهم تناقض الإشفاق مع التوكل: الإشفاق لا يعني اليأس أو القنوط، بل هو الحذر الواعي المقترن بحسن الظن والرجاء والعمل الصالح؛ ولذلك أردفوه فوراً بقولهم في الآيات التالية: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا... إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ}.
اختيار مادة {مُشْفِقِينَ}: أدق وأبلغ من خائفين؛ لأن الإشفاق خوف مشوب بحذر وحرص ورقة قلب وشفق؛ فالشفق رقة الضوء في الأفق، والقلب المشفق قلب حي رقيق تدمع عينه من خشية الله وتضطرب فرائصه عند ذكر الوعيد.
بناء {قَبْلُ} على الضم: اقتطاع اللفظ عن الإضافة يوحي بأن مرحلة الدنيا صارت ماضياً منسياً خلف ظهورهم، وانقضت كحلم سريع، ولم يبق منها إلا أثرها الصالح.
الإشارة التدبرية: قال الحسن البصري: «إن المؤمن أحسن الظن بالله فأحسن العمل، وإن المنافق أساء الظن بالله فأساء العمل، والمؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجل، والفاجر يرتكب المعاصي وهو آمن».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
غرس المراقبة الأسرية: تربية النفس على دوام استشعار مراقبة الله في البيوت؛ فلا تكون البيوت مقراً للغفلة واللهو المحرم، بل محاريب للذكر والتربية والإشفاق من سخط الله.
ميزان الإيمان الصادق: تحذير المؤمن من الركون إلى الأمان الكاذب ومخادعة النفس بحسن الظن المجرد عن العمل؛ فمدار النجاة غداً الخوف الحقيقي هنا.
تربية الأولاد على خشية الله: بيان أن الحب الحقيقي للأهل والذرية هو الإشفاق عليهم من نار جهنم، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}.