هذا ختام المحاكمة الاستفهامية في السورة، وذروة تفنيد عقيدة الشرك بإسقاط أي إله مزعوم يملك حمايتهم أو نصرتهم من دون الله تعالى، متوجاً بالتسبيح والتنزيه المطلق للذات الإلهية.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٨٧)مصدر غير محدد٢٢/٤٨٧ عن قتادة ومجاهد في قوله: {أَمْ لَهُمْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ}: قال: ألهم رب ومعبود يمنعهم من عذاب الله إذا نزل بهم؟ ليس لهم إله يمنعهم ولا ناصر ينصرهم، {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ}: تنزيهاً وتقديساً لله تبارك وتعالى وتبرئة له عما يجعلون له من الشركاء والأنداد والأوثان.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٢)مصدر غير محدد٧/٤٤٢: هذا آخر هذه التقسيمات والمحاكمات العقلية البالغة خمسة عشر استفهاماً في السورة، كلها تبطل مذهبهم وتسفه عقولهم؛ أي ألهم معبود يرجونه ويكلأهم بالليل والنهار غير الله؟ لا إله إلا هو، ولا رب سواه، ثم نزه نفسه الكريمة العلية عن أفعالهم وإشراكهم فقال: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٧٧)مصدر غير محدد١٧/٧٧: سبحان: مصدر منصوب بفعل محذوف، وهو علم على التنزيه والتقديس والبراءة من كل سوء ونقص؛ والمعنى: ننزه الله تنزيهاً مطلقاً عما يشركون معه من الأصنام والملائكة والبنات والآلهة الباطلة.
وفي التحرير والتنوير: هذه الآية قفلة البراهين العقلية ومنتهاها؛ فبعد أن أثبت انفراد الله بالخلق والرزق والغيب والتدبير والنصرة، أثبت انفراده بالألوهية، ونفى وجود أي شريك في الوجود، وقفل الدليل بكلمة التنزيه الجامعة: {سُبْحَانَ اللَّهِ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِلَٰهٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والإله في لغة العرب هو المألوه المستحق للعبادة بالحب والتعظيم والخضوع.
{غَيْرُ}: نعت لإله مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف، والاسم غير يفيد المغايرة والمباينة المطلقة.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره.
{سُبْحَانَ}: مفعول مطلق منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة لفعل محذوف تقديره أسبح، وهو مضاف.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{عَمَّا}: عن حرف جر، و(ما) مصدرية أو موصولة بمعنى الذي، والجار والمجرور متعلق بالمصدر سبحان؛ أي عن إشراكهم أو عن الذي يشركونه معه.
{يُشْرِكُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول أو صلة الحرف المصدري.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت هذه الآية بمثابة التتويج والختام لسلسلة الاستفهامات الإنكارية الـ(١٥) التي بدأت من قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ} إلى هذه الآية، والتي شكلت أقوى مصفوفة محاكمة عقلية في القرآن المكي:
نقضت تهم النبوة: كاهن، مجنون، شاعر، تقوله.
نقضت تصورات الخلق: عدمية النشأة، خلق النفس، خلق الكون.
نقضت مصادر المعرفة: الخزائن، السيطرة، السلم والسماء، كتابة الغيب.
نقضت الدعاوى الاجتماعية والسياسية: قسمة البنات، المغرم المالي، الكيد والتآمر.
ثم خُتمت بالغاية العظمى: توحيد الألوهية ونفي الشريك وتنزيه الله تعالى.
هذا البناء المتماسك يظهر إعجاز القرآن في محاصرة الشرك من كل جهاته وقطعه من أصوله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
برهان التمانع العقلي في نفي الشريك:
لو كان في الوجود إله غير الله لفسد نظام الكون وتنازعت الإرادات كما قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}، ولقال كل إله هذا خلقي وهذا ملكي، ولعلا بعضهم على بعض.
فانتظام الكون وسريان قوانينه على سنن واحد متقن دال عقلاً على وحدة الخالق والمدبر والإله؛ فلا إله إلا الله.
حقيقة التسبيح في مواجهة الشرك: تنزيه الله بـ{سُبْحَانَ اللَّهِ} ليس مجرد ذكر لساني، بل هو حكم عقلي قطعي بأن أي نسبة للنقص، أو الشريك، أو الصاحبة، أو الولد، أو العجز إلى الله إنما هي ضلال باطل يجل مقام الربوبية عنه.
نكتة التنكير في {إِلَٰهٌ}: نكرة في سياق الاستفهام الإنكاري المقدر بنفي؛ تفيد استغراق ونفي أي إله، صغر أو كبر، حجر أو بشر أو ملك أو كوكب.
الالتفات إلى التنزيه المباشر {سُبْحَانَ اللَّهِ}: نقل الكلام فجأة من محاجة المشركين إلى إعلان تقديس الذات الإلهية، إشعاراً بأن شناعة شركهم بلغت حداً يقتضي المبادرة بتنزيه الله وتقديسه عن مجرد سماع أباطيلهم.
الإشارة التدبرية: التسبيح هو ملجأ القلوب الطاهرة عند سماع الكفر والمنكرات؛ فكلما رأى المؤمن شركاً أو إلحاداً فزع إلى قول: سبحان الله وبحمده، ليعمر قلبه بتنزيه مولاه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجريد التوحيد الخالص: غرس عقيدة التوحيد الصافية في النفوس، وأن العبادة والرجاء والتوكل والدعاء لا تصرف إلا لله وحده لا شريك له.
تعظيم قدر الله في القلوب: تربية الجيل المسلم على إجلال أسماء الله وصفاته وتنزيهه سبحانه عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله.
ختام المناظرات بإعلاء كلمة التوحيد: تعليم الدعاة أن غاية كل مناظرة وحوار ليست الانتصار الشخصي، بل إعلاء راية التوحيد وتنزيه رب العالمين عن الشركاء والأنداد.