تبلغ المحاكمة العقلية غايتها في فضح أقبح عقائدهم الشركية؛ وهي نسبتهم البنات لله تعالى حين زعموا أن الملائكة بنات الله، مع كراهيتهم الشديدة لإنجاب الإناث في دنياهم!
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٨٤)مصدر غير محدد٢٢/٤٨٤ عن قتادة ومجاهد وابن عباس في قوله: {أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ}: قال: كانت قريش تقول: الملائكة بنات الله، وكانوا إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ووأدها في التراب حية؛ فأنكر الله عليهم هذه القسمة الجائرة الظالمة وسفه عقولهم؛ كيف تنسبون لله ما تكرهون لأنفسكم وتستنكفون منه؟!
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤١)مصدر غير محدد٧/٤٤١: هذا إنكار عظيم عليهم وتوبيخ وتقريع لأقبح مقالاتهم؛ حيث جعلوا لله ما يكرهون، وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً، ثم جعلوهم بنات الله فعبدوهم معه، وقسموا هذه القسمة الضيزى؛ فنسبوا إلى ربهم أحط القسمين عندهم وهو البنات، واختاروا لأنفسهم أشرفهما وهو البنون! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٧٦)مصدر غير محدد١٧/٧٦: هذا إلزام لهم بأصولهم وعوائدهم؛ لا أن اتخاذ البنين جائز على الله، فالرب منزه عن الولد مطلقاً (ذكراً أو أنثى)، ولكن الآية تسلك مسلك المحاجة الجدلية لإلزام الخصم بقبح صنيعه وفساد مذهبه حتى في ميزان منطقه الشخصي.
وفي التحرير والتنوير: الاستفهام إنكاري توبيخي تهكمي؛ فضح به القرآن سفه تفكيرهم العقدي وانحطاط أخلاقهم حتى في تصورهم لجلال الألوهية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
هذا الترتيب يكشف أن شركهم لم يكن مبنياً على شبهة فلسفية عميقة، بل على أهواء وتناقضات أخلاقية وقسمة ضيزى لا يقرها عقل ولا عرف ولا إنصاف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
أسلوب الإلزام باللازم وقواعد الجدل العقلي:
سؤال: لماذا عاب القرآن عليهم نسبة البنات مع أن نسبة البنين لله كفر وضلال أيضاً كقول النصارى: {الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ}؟
الجواب الأصولي المحكم: القرآن الكريم أصل تنزيه الله المطلق عن اتخاذ الولد من حيث الأصل في آيات قاطعة كقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}، وقوله: {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ}؛ ولكن في هذا المقام يسلك القرآن مسلك (المناظرة الإلزامية بلسان الخصم):
المقابلة البيانية الصادمة بين الجملتين: {أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ} يقابلها {وَلَكُمُ الْبَنُونَ}؛ تقديم الجار والمجرور في الموضعين يفيد الاختصاص والحصر التهكمي؛ أي اختصصتم ربكم بما تستنكفون منه واختصصتم أنفسكم بما تشتهون!
حذف المتعلق والأدلة لبيان وضوح الفضيحة: أتى بالاستفهام مجرداً ليعلم السامع أن الجواب بدهي لا يحتاج إلى تأمل؛ فالقضية مفضوحة بنفسها.
الإشارة التدبرية: عظمة القرآن في دفاعه عن كرامة الإنسان وتنزيهه لله عز وجل، وتعرية ازدواجية المعايير التي تصاب بها العقول إذا انحرفت عن صراط الله المستقيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محاربة وأد البنات وازدواجية النظرة للمرأة: تذكير المجتمع الإسلامي بتكريم الإسلام للمرأة وبطلان النظرة الجاهلية التي تحط من قدر الإناث؛ فالإسلام جعل تربية البنات سراً من أسرار دخول الجنة.
تنزيه الله وتقديسه: غرس الإجلال التام في القلوب لرب العالمين، والحذر من التلفظ بأي كلمة تشعر بنسبة النقص أو العيب لله سبحانه وتعالى.
محاكمة ازدواجية المعايير المعاصرة: استلهام المنهج القرآني في فضح التناقض المعاصر لدى الحضارات المادية التي تدعي الحرية وحقوق الإنسان بينما تكيل بمكيالين في قضايا العدالة وحقوق الشعوب المستضعفة.