تنتقل المحاكمة العقلية إلى نقد العقل المشرك ذاته وفضح تناقضه بين ما يدعيه من رجاحة الرأي وبين ما يصدر عنه من ترهات باطلة.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٧٨)مصدر غير محدد٢٢/٤٧٨ عن قتادة ومجاهد وابن جريج في قوله: {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَٰذَا}: قال: الأحلام: العقول، وكانت قريش تُدعى أهل الأحلام والنهى وأهل الرأي في جزيرة العرب، فأنكر الله عليهم ذلك؛ أي أتأمرهم عقولهم بهذا التناقض القبيح في قولهم كاهن وشاعر ومجنون؟ {أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} بل هم قوم مجاوزون للحد في الظلم والعدوان والاستكبار.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٣٩)مصدر غير محدد٧/٤٣٩: أي بل أتأمرهم عقولهم التي يفتخرون بها ويزعمون أنهم أهلها بهذا القول المتناقض الفاسد؟ أم هم قوم معاندون طغاة لا عذر لهم؟ بل الحق أنهم طغاة تجاوزوا الحد والإنصاف فحملهم الطغيان على الافتراء ومكابرة البديهيات.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٧٣)مصدر غير محدد١٧/٧٣: الحلم: العقل، وجمعه أحلام؛ سمي حلماً لأنه يحلم صاحبه؛ أي يمنعه من الطيش والجهل، ومنه قوله تعالى: {أُولِي الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى}، وفي هذا تهكم مرير بهم لأنهم كانوا يعدون أنفسهم أذكى العرب وعقلاءهم، فأثبت القرآن أن عقولهم معطلة لا تقودهم إلا إلى التناقض.
وفي التحرير والتنوير: {أَمْ} الأولى منقطعة للإضراب الانتقالي، و{أَمْ} الثانية منقطعة كذلك؛ للإضراب عن التوبيخ إلى بيان العلة الحقيقية لضلالهم، وهي الطغيان المستحكم في نفوسهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَمْ}: حرف عطف وهي المنقطعة المتضمنة معنى بل والهمزة الإنكارية التوبيخية.
{تَأْمُرُهُمْ}: تأمر فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والميم للجمع.
{أَحْلَامُهُم}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف، والهاء مضاف إليه والميم للجمع. والأحلام جمع حِلْم بكسر الحاء، وهو العقل الرزين الراجح واللب الواعي، وضده الطيش والسفه.
{بِهَٰذَا}: الباء حرف جر، ها للتنبيه، ذا اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلق بالفعل تأمرهم، والإشارة إلى ما قالوه من الافتراءات والتناقضات السابقة.
{أَمْ}: عاطفة منقطعة تفيد الإضراب والانتقال.
{هُمْ}: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{طَاغُونَ}: نعت لقوم مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم، والطاغون جمع طاغٍ، وهو المجاوز للحد في العصيان والاستكبار والبغي، من طغى يطغى طغياناً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبلغ هذا التقسيم الحاصر الدائر بين الفكر والسلوك! وضعهم القرآن الكريم أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما أن تكون هذه الأقوال الشنيعة المتناقضة نابعة من عقولهم المزعومة؛ وهذا محال، لأن العقل الفطري السليم يأبى التناقض ويستقبح الكذب على الصادق الأمين.
وإما أن تكون نابعة من الطغيان والهوى والتمرد النفسي؛ وهو المتعين والواقع الحتمي الذي قرره بقوله: {أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}.
التعبير بلفظ {قَوْمٌ}: يفيد أن الطغيان صار صفة راسخة في جماعتهم وسجية مهيمنة على تفكيرهم الجمعي، مما سلبهم الرشد والتفكير الحر المستقل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك ظاهرة ذكاء الكفرة وحيرتهم: كيف يكونون أذكياء في التجارة وتدبير المعاش وأهل عقول ثم يكفرون بأوضح الدلائل؟
التحقيق الفلسفي القرآني: الذكاء غير العقل؛ فالإنسان قد يملك ذكاءً حاداً وحيلة دنيوية، لكنه محروم من (عقل الهداية والرشد)؛ لأن الكبر والطغيان يعميان البصيرة ويجعلان العقل خادماً للهوى ومبرراً للشهوات؛ فالمانع من إيمانهم لم يكن غياب الدليل بل حضور الطغيان {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ}، فإذا طغى الإنسان ركب رأسه ودافع عن أبطل الباطل.
تنزيه العقل السليم: تبرئة العقل الإنساني الفطري من أن يأمر بالضلال أو التناقض؛ فالعقل السليم حجة لله في خلقه، لا يأمر إلا بالحسن ولا ينهى إلا عن القبيح.
الاستعارة المكنية والتهكمية في {تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم}: شبّه الأحلام (العقول) بشخص آمر مطاع، وحذف المشبه به ودل عليه بشيء من لوازمه وهو الأمر؛ وهذا أسلوب تهكمي لاذع يسخر من عقولهم التي جعلوها أصناماً فإذا بها تقودهم إلى أقبح السفه والتناقض.
الإضراب الاستدراكي في {أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}: أسلوب بياني حاسم يقطع النزاع ويكشف العلة الدفينة للضلال؛ فالعلة ليست نقصاً في المعرفة بل فساداً في الإرادة وطغياناً في النفس.
الإشارة التدبرية: لا تغتر بما يحمله الخصوم من شهادات أو ألقاب أو دهاء دنيوي؛ فما لم تكن العقول منقادة لنور الوحي فإنها تسقط في مهاوي الطغيان والجهل المركب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير العقل من أسر الهوى: توجيه المسلم إلى تفقد نيته ومحاكمة أفكاره؛ هل يصدر عن نور الدليل أم عن دوافع الطغيان وحب الظهور والعصبية المذهبية والفكرية؟
منهجية التشخيص الدعوي: تعليم الداعية ألا يكتفي بمجادلة الشبهات السطحية، بل عليه أن يغوص إلى الجذور النفسية للانحراف؛ فكثير من الإلحاد والشبهات المعاصرة ليس سببه نقص الأدلة بل التمرد النفسي ورغبة التفلت من قيود الشريعة والطغيان الذاتي.
الحذر من الكبر: التربية على التواضع للحق مهما كان مصدره، فالكبر هو الذي حجب صناديد قريش عن الجنة.